مطلوب رئيس لمصر.. شاب.. ديمقراطي.. عسكري ذو ميولات مدنية

الجمعة 2014/01/03
مصر تبحث عن رئيس لا كالسابقين

كان من حسن الحظ أن ثورة 25 يناير 2011 لم يكن لها قائد بعينه، ينبهر به المصريون ويمجدونه، وتراه الجماهير مهيبا وملهما فتخضع له وتذوب فيه، وتنساق إلى أن تسلمه قيادتها دون مساءلة، فتتخلى عن حلم الديمقراطية المنشود وتجلياته في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، الذي مازالت مصر تتلمس خطاها نحوه حتى الآن.

لقد أتيح للمصريين أن يغيروا، أو بمعنى أدق، يطيحوا رئيسين خلال عامين، وأصبحوا يتطلعون الآن إلى اختيار رئيس لا يخذلهم كالسابقين، ولا يسيئوا الاختيار مرة أخرى جهلا أو غفلة أو خديعة، فيختاروا بأنفسهم ولأنفسهم ما يستحقونه، بعد أن جربوا الاختيار بين بدائل تراوحت بين: المتدين، واليساري والناصري والعسكري السابق والليبرالي ورجل المخابرات الغامض والقاضي الجليل، ومع ذلك لم يحسنوا اختيار الأفضل بين كل هؤلاء البدلاء، فهل ينجحون هذه المرة في تحقيق حسن الاختيار، وفقا لمعايير تتسق ومستقبل مصر بعد الثورة؟

هذا الاختيار كان محور كتاب للباحثة والخبيرة الإعلامية عزة عزت، صدر عن دار روافد، تحت عنوان “الرئيس الذي نريد.. الرئيس الذي نستحق”. وقد ركّزت عزت على هذه القضية في جانبها الإعلامي، في محاولة للإجابة عن أسئلة كثيرة تدور في أذهان المصريين حول اختيار الرئيس الذي يريدونه.

وبقدر ما يجيب الكتاب عن أسئلة تدور في الأذهان منذ سنوات، بقدر ما يترك أسئلة أخرى لتجيب عنها جماهير الناخبين في مصر، وفقا للمزاج الانتخابي الذي يتأثر بأحداث متواترة بسرعة غير مسبوقة في الحياة السياسية المصرية.

من بين الأسئلة التي حاول الكتاب أن يجيب عنها: هل يمكن أن ينخدع المصريون بأساليب الدعاية القديمة منها والحديثة، الشرقي والعربي والغربي منها؟ أو أن طابع الحداثة الذي صبغ ثورتهم سيفرض عليهم اليقظة والانتباه إلى خداع الدعاية السياسية وألاعيبها؟ خاصة ما يحاول أصحابه الربط بين الإعلام والدعاية والدين والسياسة في خلطة سحرية، تخشى المؤلفة أن تخدع معظم البسطاء، فيُسيئون الاختيار، فلا نحصل في النهاية على “الرئيس الذي نريد”، بل جُل ما يمكن أن نحصل عليه “الرئيس الذي نستحق”، “بسبب غفلتنا أو غفلة البسطاء منا عن ألاعيب السياسة والدعاية، التي طالما مورست علينا بأسلوب تقليدي لم يتغيَّر عبر قرون، لكنها تعود اليوم في ثوب عصري قد ينطلي علينا، فننخدع به”

هل سيعود المصريون إلى سيرتهم القديمة، ليحيطوا الحاكم القادم بهالات من القدسية؟

يقود هذا إلى أسئلة أخرى في غاية الأهمية، مؤداها “هل الشخصية الكاريزمية مازالت أمرا مطلوبا في أي مرشح للرئاسة؟ وهل لو لم تتوافر هذه الشخصية للمرشح لابد من خلقها في صورته المرغوب الترويج لها، حتى يحظى بقبول الناخبين ورضاهم؟ بمعنى أن القبول الطاغي والهيبة التي لا تقاوم “كنموذج عبد الناصر مثلا” مازالا مطلوبين حتى الآن؟ أم أن المطلوب في هذه الحقبة من حياتنا التي نطمح فيها إلى تحقيق الديمقراطية أن يكون الرئيس الذي نريد مجرد مدير ناجح أو موظف كبير يجيد فن الإدارة، ويُحسن اتخاذ القرارات بشكل سليم وفي الوقت المناسب؟ بمعنى أن المطلوب ليس زعيما أو قائدا ملهما وبطلا مهيبا، ولكن مجرد حاكم أو رئيس يدير دفة أمور البلاد والعباد لفترة محددة ومحسوبة سلفا، ثم ينسحب بسلاسة، ليتولى الأمور رئيس آخر، كما يحدث في كل الدول الديمقراطية في العالم، ثم هل نعود إلى سيرتنا الأولى في البحث عن الرئيس الأب؟ الذي نتصور، كالأطفال، سيحمل عنا كل همومنا وأعبائنا، ويوفر لنا كل مطالبنا، ويستطيع تحقيق المُحال”.


القائد المقدس


في هذا السياق تكرر المؤلفة طرح تساؤل مُلح مؤداه “هل سيعود المصريون إلى سيرتهم القديمة، ليحيطوا الحاكم القادم بهالات من القدسية؟ ويصبغوا عليه كما من السمات الخارقة كأبطال الأساطير والسير؟ حتى يكسب الشعبية المطلوبة وهو بعد مازال مجرد مرشح للرئاسة، فـ “نعظـِّمه في نظر نفسه، ونبدأ في النفخ فيه حتى يُصدِّق ما يقال عنه، وتبدأ مرحلة الفرعنة مبكرة، حتى قبل أن يتولى الرئاسة بالفعل”.

وتضيف عزة عزت “وأجدني هنا مضطرة إلى أن أتساءل ثانية: إلى أي حد يمكن أن تكون الصورة الكاذبة أكثر إقناعا، وأطول تأثيرا من الصورة الصادقة القريبة من الشخصية الحقيقية؟ أو بمعنى آخر هل سيضطر صناع الصورة وقادة حملات الدعاية إلى اللجوء إلى ألاعيب كثيرة لوضع رتوش للمرشحين للرئاسة؟ بحيث تصبح الصورة أكثر بريقا وأجمل كثيرا من الحقيقة، لتكون أكثر إقناعا للجماهير، لا بل ويمكن أن تنجح في خداعهم لفترات طويلة، رغم أنها أبعد ما تكون عن الشخصية الحقيقية؟”.

تلك هي التساؤلات التي حاول الكتاب الإجابة عنها، أو الاقتراب من الإجابة الصحيحة لها، إلى جانب تساؤلات أخرى كثيرة أتت عبر صفحات الكتاب، لتجيب عما يعتمل في صدور الناس في الشارع، حول الأسلوب الأمثل للاختيار، وأسس المفاضلة بين المرشحين، وهل يجب أن تنبني على اختيار الشخص وفقا لسمات بعينها يجب أن تتوافر في من سيحكمنا؟ أم على أساس التاريخ النضالي لهذا الشخص في المجالات السياسية، أو على أساس ما سبق أن قدم من أعمال لخدمة الناس؟ أم تنبني على أساس ما يُمثله هذا الشخص من تيار سياسي أو ديني؟ أو لتبنيه فكرا وأيديولوجية اقتصادية؟ أم على أساس البرنامج الذي يطرحه المرشح للرئاسة ويتمثل في حلول.. أو أمل في حلول لمشاكل المواطن العادي؟.. دون إفراط في الوعود.

أما عن محتوى الكتاب فيضم مقدمة تعلل وتشرح لماذا هذا الكتاب؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ كبادرة غير مسبوقة في مصر.. رغم أن مثل هذه النوعية من الكتب تصدر بشكل دوري في أميركا عقب كل انتخابات رئاسية، لتقيم التجربة بما لها وما عليها، كي تساعد المرشحين والقائمين على حملاتهم على تجاوز أخطائهم، فلا يكرروها في انتخابات قادمة، وتثمن نقاط النجاح في الدعاية، كي يفيدوا منها ويستعينوا بها في مرات قادمة، كما تعين الناخبين على أن يلموا بالمبررات الموضوعية للاختيار.

يلي ذلك فصل تمهيدي له طابع نظري يُعرِّف القارئ كيف يفرِّق بين الملامح الشخصية للمرشح، وسمات الصورة الذهنية المرغوب الترويج لها، لينال أكبر عدد من أصوات الناخبين.


آخر الفراعنة


أما عن الفصول الرئيسية فيطرح أولها تساؤلا يتعلق بطبيعة تعامل المصريين مع رؤسائهم، ملخصاً ذلك في سؤال استنكاري ملح هو: “مبارك.. هل يكون آخر الفراعنة؟! “يستعرض كإجابة له سمات صورة مبارك في الداخل، من خلال تحليل ما كتبته الصحف، والصور الصحفية التي ساهمت بشكل فاعل في ذلك، وكيف استغلت الأحداث العاطفية في كسب التأييد لمبارك على مدى ثلاثة عقود، مع تقييم لشخصية مبارك، والمبالغة في تأليهه من قبل شخصيات عامة وكتاب وإعلاميين، ساهموا في صناعة صورته كفرعون، مع إشارة إلى أنه ككل الطغاة لم يتعلم الدرس.. إلا بعد فوات الأوان.. وقي الدقائق العشر الأخيرة.

ويناقش الفصل الثاني المعنون “الرئيس الذي نريد” أثر سمات الشخصية في الاختيار أو الانتخاب، بناء على السمات المرغوبة من المصريين في رئيسهم، وخطورة اللعب على وتر التدين، كما يستعرض أسماء المرشحين المحتملين للرئاسة في المرحلة الانتقالية الأولى ووسائل الدعاية الانتخابية التي مارسوها بعد خلو مقعد الرئاسة برحيل مبارك، مع إشارات إلى الجذور التاريخية لتأليه الحاكم، معرفا بمن في يدهم مقود الاختيار وتزوير الإرادة، وما تريده فئات الشعب المختلفة، وموقف الأغلبية الصامتة من المصريين، وتباينه مع موقف التيار الديني، مع تقييم لدور المجلس العسكري في قيادة المرحلة الانتقالية الأولى، ورابطا كل ذلك بما حدث من تحول في الشخصية وأنماط تفكيرها عبر عقود.


شروط في الرئيس

عزة عزت تحلل في كتابه صفات الرئيس الذي يبحث عنه المصريون


تتبعت الباحثة ما يقوله المصريون تعبيرا عما يرغبون فيه من سمات في الرئيس المرتقب، فكانت خلاصة السمات كما وردت على ألسنتهم، وبنفس منطوقِهم، وفقا لتقارير استطلاعية أجريت في العديد من المحطات التليفزيونية، وفي الصحف على اختلاف توجهاتها، على النحو التالي: “طموح، جرئ، عنده تصور، لديه رؤية، مستوعب للواقع الحالي ومعطياته، لديه مشاريع لمصر، أن يكون شابا، أن يستخدم مستحدثات العصر، أن يكون همه الأول والأخير شعبه، يشعر بهموم الشعب، يسعى إلى تلبية مطالب الفقراء والمحتاجين والشباب، تكون له إنجازات ترفع من شأن البلد، له تواصل مع الناس، يسمح للشعب بأن يقول رأيه، ويأخذ برأي الشعب، أن يُوجد شكلا من الحوار بين السلطة والشعب، يُحب الشعب ويُخلص له، لديه قدرة على التغيير الهيكلي والجذري للحكومة والوزارات، أن يكون مدنيا وليس عسكريا، أن يكون قدوة صالحة، أن لا يعيرنا بما يفعله، أن تكون سلطاته محدودة ومحددة، أن يكون مستقل الرأي، يراعي كرامة شعبه وبلده، عادل، عنده دين وإسلام، أن يراعي الله فينا”.

وتوضح عزة أن معظم هذه السمات قد جاء كرد فعل لحقبة حكم الرئيس المسن حسني مبارك، بكل ما تمتع به من جمود، خاصة بعد ثورة شعبية شبابية، تتطلع إلى بناء دولة حديثة، رئيس لم يكن يضع الشعب وأراءه وهمومه في حساباته، ومع ذلك ظل قطاع من الشعب المصري لا يستطيع تحديد موقفه أو اختياره، بل كان كالعادة يسلـم باتكاليته المعهودة قائلا: “ربنا يولي من يصلح” أو “اللي يختاره ربنا”، في حين كان من اللافت لي بحق، رغم ندرة القائلين به، أن “يكون له انتماء وطني إلى مصر” كأمر مهم جدا توافره في أي مرشح للرئاسة.

وتخلص إلى أن الشعب أصبح يريد الرئيس الشاب على عكس دأبه في العصور السابقة، التي كان فيها “الكبر هيبة”، يجد فيها المواطنون المصريون صورة الرئيس الأب، وقد اتضح أيضا الوعي بمعنى الشباب المتمثل في الجرأة، والقدرة على الابتكار، والطموح والرؤية، والقدرة على التغيير، وأن الشعب أصبح يريد الرئيس المنفتح على شعبه: اتصالاً وتواصلا وحواراً، وشعوراً بالهموم والمشاكل التي يُعاني منها، كما يُريده رئيساً مدنيا، وقدوة صالحة ويخاف الله، أي رئيساً متديناً، وأخيراً أن يكون رئيساً عادلاً، ومحدود السلطات، أي ليس فرعوناً مطلق اليد في البلاد والعباد. هذا ما كان يريده الشعب عقب الثورة.. فماذا جنى بعدها؟ ما كان يريد؟ أو ما استحق؟.

79% من نصف مليون قارئ اختاروا السيسي

«شخصية عام 2013 الأكثر تأثيرا» وفق استطلاع لـ«المصري اليوم»

وفي الفصل الثالث “مطلوب رئيس من بين هؤلاء”، قيمت الباحثة عزة الدعاية الانتخابية لكل المرشحين المحتملين والرسميين، الذين طرحوا أنفسهم في سباق الرئاسة، ما بين السلب والإيجاب في دعاية كل منهم، والقيم التي بنوا عليها دعايتهم، والسمات التي ركز عليها كل منهم، وبرنامج كل منهم، والأساليب والوسائل المستخدمة لترويج هذه الصور، ومن هؤلاء: أبو العز الحريري ـ أحمد شفيق ـ أيمن نور ـ بثينة كامل ـ حازم صلاح أبو إسماعيل ـ حسام خير الله ـ حمدين صباحي ـ خالد عليّ ـ عبد الله الأشعل ـ عبد المنعم أبو الفتوح ـ عمر سليمان ـ عمرو موسى ـ مجدي حتاتة ـ محمد البرادعي ـ محمد حسين طنطاوي ـ محمد سليم العوا ـ محمد مرسي العياط ـ هشام البسطويسي. كما أشارت إلى مرشحين غير محسوبين لرجل الشارع المصري، رغم أنهم كانوا ضمن المرشحين رسميا لتولي الرئاسة، ومع أنهم قد لا يملكون المؤهلات التي يستطيعون بها ملء المنصب الرفيع، إلا أنهم مارسوا الدعاية وملؤوا وسائل الإعلام ضجيجاً، كما خاضوا حرب الدعايا المضادة باستماتة بما طرحوا من شائعات وتمريرات وتسريبات لا تتسق وقيم صناعة الصورة، وجعلت معظم ما يملأ الفضاء مجرد كلام دعائي مشوش.

وتناول الفصل الرابع “الرئيس الذي نستحق” علاقة المصريين بحكامهم، ورفضهم عبر التاريخ لتسلط الحكام، وصولا إلى حكم الرئيس محمد مرسي، وهل كان حكم الرئيس أو الجماعة؟ ودور حواري الحاكم ومفسدوه، والرصد الشعبي لفساد السلطة في مصر قبل وبعد ثورة 2011، مع رصد تاريخي لعنصر المفاجأة كنمط للثورات المصرية، وكيف تبلورت محركات الثورة وشكلت بدايات التحول، وأخيرا رصد مؤشرات إهدار الثورة.. أو سرقتها وصولا إلى الاختيار المر بين التيارين الأسوأ على الساحة السياسية “الإخوان والفلول”، وتوقع استشرافي بأن مرسي لن يكمل مدته، حتى قبل سقوطه المدوي وظهور السيسي على الساحة.

وتناولت الخاتمة “عملية صناعة أول رئيس مدني منتخب” بكل ما شابها من محاولات الأخونة والهيمنة على الإعلام، وممارسات الرئيس وقراراته، وكذلك التراوح ما بين الأخونة والتأخون، ومحاولات التأسي بتجارب الحكم الإسلامي في العالم، كما رصدت الخاتمة دور وملامح صورة زوجة الرئيس، وأهميتها في صناعة صورته، مع استشراف مستقبلي آخر يؤكد أن مصر ستنجو لا محالة من فخ الإخوان.

في آخر صفحات الكتاب إشارات وردت كملاحظة أخيرة كان لابد من تسجيلها، بعد ما جرى على أرض الواقع في مصر، متمثلة في الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو 2013، التي لم تستطع الكاتبة أن تعمقها وتتناولها باستفاضة بعد الانتهاء من الكتاب، وتسليمه للناشر.. واكتفت بالقول إن ظهور الفريق أول عبد الفتاح السيسي فقط غير من فرضيتها بأن الشعب المصري بعد ثورة يناير تخلى، ولو إلى حد ما، عن فكرة الرئيس البطل، المنقذ، الفادي، الأسطوري، الزعيم المهيب، الذي يركن إليه، ويسلمه قياده، كي ينصرف كعادته التليدة عن السياسة وشؤونها، إلى ممارسة حياته اليومية، وسعيه وراء لقمة العيش التي تستغرق جل جهده، وكل وقته.. فوجد في السيسي ضالته المنشودة دائما.

7