مظاهرات الأذريين تثبت عنصرية الفرس ضد الأقليات في إيران

قضايا الأقليات في إيران ومعاناتها من الاضطهاد، تطفو مجددا على الساحة السياسية الإيرانية عقب المظاهرات التي قام بها أذريون أتراك في إيران بعد إهانة قناة تلفزية لهم، وهو ما أثار حفيظتهم ودفعهم للتظاهر تنديدا بمثل هذه السلوكات واحتجاجا على معاناتهم من التمييز ضدهم كأقلية في المجتمع الإيراني، وتعبيرا عن فشل الدولة في تحقيق المساواة والعدالة بين مختلف مكونات المجتمع.
الأربعاء 2015/11/18
عنصرية الحكومة الإيرانية دفعت الأذريين والعرب وغيرهم من الأقليات للاحتجاج في الشوارع

طهران - شهدت الساحة الإيرانية في الأيام الأخيرة تظاهرات للأتراك الأذريين احتجاجا على إهانة قوميتهم في برنامج تلفزيوني ساخر عرضته القناة الرسمية “إيري تيفي 2”، حيث ظهر “رجل من الأتراك الأذريين يقف مع ابنه في فندق بالعاصمة طهران، يشتكيان من رائحة الغرفة التي يقطنان فيها”.

يرد عليهما موظف من الفندق بأن “السبب وراء الرائحة هو فم الطفل الذي كان ينظف أسنانه بفرشاة تنظيف المرحاض”. وهي صورة ساخرة استفزت الأتراك الأذريين، ومست هويتهم وقوميتهم في مجتمع يمثل فسيفساء من الأصول العرقية والطائفية والدينية.

وكان أن تجمع الأتراك الأذريون ونزلوا إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم من هذه الإساءة من قبل قناة رسمية، وعقب التظاهرات قدم المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيراني اعتذاره إلى الأذريين، مشيرا إلى إيقاف عرض البرنامج وإقالة بعض المسؤولين في التلفزيون. كما قدم الممثلان في البرنامج اعتذاريهما إلى المجتمع الأذري.

جدير بالذكر أن المظاهرات الحالية ليست الأولى من نوعها لأن الأقليات العرقية في إيران، مثل العرب والأكراد والبلوش وغيرهم، كثيرا ما تقوم بحركات احتجاجية استنكارا للاضطهاد الذي تعيشه بسبب التمييز الممنهج ضدها، كما أنها ليست المظاهرات الأولى التي يقوم بها الأذريون أنفسهم، إذ سبق لهم أن تظاهروا عدة مرات ضد الحكومة. وكانت أهم تلك المظاهرات قد جرت في العام 2006 وشملت جميع أنحاء البلاد، بسبب رسم ساخر نشر في صحيفة “إيران” الحكومية، حمل تلميحا لاعتبار الأتراك الأذريين “صراصير”، حيث عم المتظاهرون شوارع المحافظات الإيرانية وردت حكومة محمود أحمدي نجاد آنذاك بتوقيف رسام الكاريكاتير والمحرر وأوقفت نشر الصحيفة. لكن هذه القرارات لم تكن مرضية للمحتجين ولم يتوقف التظاهر، وهو ما اعتبرته الحكومة الإيرانية عملا استفزازيا ضدها وليس مجرد رد فعل، وتعاملت معه بعنف، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من المتظاهرين.

وكذلك في عام 2011 نظم الأتراك الأذريون في إيران مظاهرات احتجاجا على جفاف بحيرة أرومية، ثاني أكبر بحيرة مالحة في العالم، معتبرين أن عدم اهتمام الحكومة بالعمل على وقف ذلك الجفاف كان سببا في الإضرار بالزراعة والثروة الحيوانية بالمنطقة المحيطة بها. وبعد نقل عدد من النواب القضية إلى البرلمان، أطلق روحاني وعودا بإنقاذ البحيرة ضمن حملته الانتخابية.

السلطات الإيرانية تسعى لتغطية فشلها في تحقيق المساواة بين أبناء الشعب الإيراني بمختلف ألوانهم

ويحيل ذلك على أن احتجاجات الأذريين الأتراك والتي تطفو من حين إلى آخر على المشهد الإيراني تأتي كردة فعل على الممارسات المسيئة لهم وهي في عمقها تعبير عن معاناة الأذريين الأتراك كغيرهم من الأقليات المكونة للمجتمع الإيراني. معاناة اتسمت بالتمييز العرقي والديني والطائفي من الدولة ضدهم. ورغم أن أكثر من 30 مليون أذري يعيشون في إيران ويمثلون ثاني أكبر مكون بعد الفرس إلا أنهم يعانون من تجاهل الحكومة لمطالبهم الحقيقية بالمساواة مع بقية المواطنين الإيرانيين في الحقوق دون النظر إلى أصولهم وانتمائهم العرقي.

وتعاني الأقليات سواء كان عرقية أو طائفية التمييز في جميع اﻟﻤﺠالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ورغم أن حدة هذا التمييز ليست متشابهة بين مكون وآخر إلا أنها جميعا تصب في خدمة مصالح الدولة والمكون الفارسي. وتشترك جميع الأقليات في عدم الاعتراف بلغتها الأم وعدم منحها الحق في تعلمها وتعليمها، كما تعاني من تضييق على ممارسة شعائرها وطقوسها واحتفالاتها الدينية والثقافية. بالإضافة إلى عدم حصول أبناء هذه الأقليات على فرص متكافئة مع نظرائهم من الفرس في الخدمات التي تقدمها الدولة مثل الصحة والتعليم وغيرها، كما يعانون من البطالة والفقر وسوء ظروف المعيشة بسبب اللامساواة في الحصول على العمل وفي بلوغ المناصب النافذة في الدولة والمناصب الإدارية في المجال المؤسساتي.

ولعل أبرز ما يميز السياسية الإقصائية ضد الأذريين، مجابهة الحكومات الإيرانية المتعاقبة لاحتجاجات هذه الأقليات ومظاهراتهم التي غالبا ما تتسم بالسلمية بالعنف والاعتقال والسجن والأحكام الملفّقة. ولعل أبرزها تلك التي لحقت بالمكون العربي الذي تعرض في السنوات الأخيرة إلى أحكام قضائية قاسية وصلت حد الإعدام في الساحات العامة لعدد من الشباب الناشطين أو المتظاهرين دفاعا عن حقوقهم.

وبما أن الفرس هم المستفيدون الأوائل من تضييق الخناق على الأقليات العرقية والطائفية في إيران فإن الممارسات القائمة على العلوية والتمييز ضد الأقليات باتت مستشرية لديهم، لكن ذلك لا يعني قطعا بأن كل المواطنين الإيرانيين من أصول فارسية يمارسون التمييز ويأتون بتصرفات تدل على شعورهم بالعلوية على بقية مكونات مجتمعهم بل إن هذه السلوكات تجمع الفئة المستفيدة من دحر بقية مكونات المجتمع.

لكن يبدو أن دأب الدولة الإيرانية على الممارسات القائمة على التمييز والتي ترجع إلى مساع لتغطية فشلها في تحقيق المساواة بين أبناء الشعب الإيراني، قد تسربت إلى الوعي الجماعي للفرس رغم أن ذلك يتعارض مع الدستور الإيراني الذي تقول إحدى مواده “يتمتع أفراد الشعب الإيراني من أي قومية أو عشيرة كانوا بالمساواة في الحقوق، ولا يعتبر اللون والعنصر أو اللغة وما شابه ذلك سببا للامتياز”.

هذه العناصر مجتمعة جعلت المعارضة الإيرانية مريم رجوي، تقول في بيان صادر عن أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في باريس، إن “الاضطهاد الهمجي الذي يمارسه النظام ضد أبناء الشعب والتمييز الممنهج ضد القوميات والطوائف وأتباع الديانات والمذاهب المختلفة وإثارة الفرقة بين مختلف كيانات المجتمع الإيراني، ستتواصل طالما أن نظام ولاية الفقيه قائم على السلطة”.

12