مظاهر اللاجامي: نعيش الآن زمن التباسات الهوية وألغامها

الأربعاء 2014/02/26
اللاجامي: ينبغي الفصل بيني وبين السارد الذي يمثل رؤية العالم

القطيف - السعودية- لا يتوقف الروائي السعودي مظاهر اللاجامي عن إثارة الجدل، فمع كل رواية يشغل القرّاء بأسئلة جديدة. أصدر اللاجامي 3 روايات ومسرحية شعرية. من مواليد القطيف 1980، قال عنه سليم مطر «يتمتّع بلغة عالية تمتاز بالطول والصعوبة لكنها مكثفة بدرجة كبيرة خصوصا في روايته "عازف الجيتار العجوز"». “العرب” حاورت اللاجامي حول روايته الأخيرة، وحول بعض القضايا الإنسانية والثقافية في المشهد السعودي والعربي.

بعد روايتين “بين علامتي تنصيص” و”الدّكة” يدشن مظاهر اللاجامي روايته الثالثة “عازف الجيتار العجوز″ عن دار الانتشار ببيروت، والتي يتوقع حضورها في معرض الرياض هذا العام، ويُقال إن هنالك مناطق فارغة يحاول الروائي -عادة- أن يملأها بين رواية وأخرى. وكأنه يسرد الحكاية من زاوية بديلة في كل مرة. عن ذلك يحدّثنا اللاجامي قائلا: «هذا الحديث يقودنا للعودة قليلا إلى تاريخ الرواية وتحوّلاتها التي مرّت بها على مستوى الرؤية، فالرواية في بداياتها الأولى كانت تعبيرا عن ثقة الإنسان بذاته وقد اعتبرها الروائيون أداة من أدوات التنوير وشكلا تغييريا يسهم في تغيير واقع المجتمعات التي أنتجت ضمن إطارها التاريخي. هذه الرواية مرّت بعدة تحوّلات رؤيوية من خلال السياق التاريخي والظروف السياسية والاجتماعية» وأضاف «أوروبيا، من خلال حربين عالميتين، أو عربيا، من خلال تجربة النكسة التي هزت يقينيات الذات العربية وسببت جرحا نازفا انقلب على فكرة الثقة التي سيطرت في فترات التحرّر الوطني والتخلص من الاستعمار".

دوائر الفراغ

يقول اللاجامي: "بعد الأحداث العالمية الكبرى أصبح الروائي يقارع الفراغ وانهيار منظومة القيم الإنسانية وعدم الثقة في أفكاره وأيديولوجياته وتاريخ خلاصه مما جعل الحياة والمجتمع ينفجران أمامه بتشظياتهما وغموضهما وضبابيتهما، وجعل ذلك ينعكس على النص الذي أصبح ملغوما بالفراغ وقد جاءت الروايات الثلاث ضمنه حيث حاولت أن أملأه، كمحاولة لفهم هذا الفراغ الذي يتغوّل في حياتنا وأفكارنا ومستقبلنا». حين اقتربنا أكثر من تفاصيل روايته الأخيرة المثيرة للجدل “عازف الجيتار العجوز" التي جاءت تسميتها من لوحة بيكاسو الشهيرة.

هذه الرواية مرت بعدة تحولات رؤيوية من خلال السياق التاريخي والظروف السياسية والاجتماعية

أشار اللاجامي إلى أنه عالج من خلالها الفراغات الخاصة على المستويين التاريخي والجغرافي، وعن ذلك قال «في رواية “عازف الجيتار العجوز″ شيء من الاتصال مع ما سبقها من أعمال سردية لكنها تقطع معها في أجزاء أخرى، فاتصالها بكونها حلقة أخرى في دائرة الفراغ الكبرى لكنها تقطع مع تلك السلسلة لكونها تقارب فراغها الخاص.

في “عازف الجيتار العجوز" تعمّقت الفراغات أكثر، فمن فراغ الذات إلى فراغها في مواجهة السجن السياسي والمجتمع وصولا إلى هذه الرواية التي تقارب عدة فراغات؛ هي فراغ الوطن، فراغ السلطة والدكتاتوريات وفراغ الوجود وفراغ التاريخ الشخصي والاجتماعي للشخصية التي دفعت ثمنا غاليا، وفراغ الهوية والتباساتها وأسئلتها وتشظياتها في مواجهة الهويات الأخرى التي تمثّلت في الشاعرة الإسرائلية ذات الأصل المغربي سارة عمار، وفراغ المؤسسات الاجتماعية التي تستمدّ فراغها من فراغ المجتمع الذي تبلورت ضمن قوانينه وعلاقاته وسياقاته الثقافية؛ كل هذه الفراغات تعالجها شخصيات الرواية التي تنوّعت بين ملحد ومتدين ومتدين أبيقوري وعلماني مؤدلج أي بين تناقضات الحالة الثقافية والتباس مفاهيمها الفلسفية، إلا أن كل هذه الشخصيات تمرّ عبر سرد الشخصية الأساسية المحمّلة بالغضب والسخرية والنقمة التي تمثّلت في شخصية وحيد رحمان».

أيديولوجيا مأزومة

مع أن اللاجامي يرفض أن تصنّف أعماله الروائية، وبالخصوص الأخيرة على أنها أيديولوجية إلا أن بعض المتابعين يرى في "عازف الجيتار العجوز" رواية مؤدلجة، انتصر فيها اللاجامي لأفكاره، وسخر بالمقابل من التيار القومي والبعثي والشيوعي والإسلامي، باعتبار أن اللامنتمي لا يمكنه أن يقدّم مشروعا. يقول اللاجامي في هذا الصدد: «في البدء ينبغي الفصل بيني كروائي وبين السارد الذي يمثل رؤية العالم كما يعبّر”غولدمان”.

وسبب الخلط هنا هو ضمير المتكلم الذي يوهم بالسيرة الذاتية والتطابق ما بين الروائي والراوي. الانتماء كرؤية للعالم وللوجود هو أيديولوجيا بالمعنى العميق أي رؤية تحكم تصرفاتنا ومقاربتنا وعلاقتنا بالأشياء، أما إذا اعتبرنا أن الأيديولوجيا هي المعتقد الفكري أو السياسي فلا أظن أن السارد يمكن أن يوصف بالمؤدلج وبالتالي لا يمكن وسم الرواية بذلك حيث إنها تشكلت من خلال رؤية السارد ووعيه وعلاقته بذاته وبالأشياء. ولأن الانتماء لا يمكن أن يقدّم مشروعا حيث إنه كما يعبّر “ولسن” يرى أن الفوضى أكثر تجذرا في الحياة من النظام فيعني أن السارد لا يقدّم مشروعا لأن أيّ مشروع يفترض نظاما، وكل فوضى تفترض أن كل من يقدّم مشروعا بديلا سيتسم حتما بخصائص وسمات المشروع الذي رفضه اللامنتمي. في النهاية تظل شخصية السارد والنص في متناول القارئ، والشخصية في الرؤية النقدية الحديثة تشكيل يتشكل من خلال القراءة وليس معطى جاهزا في النص مما يجعلها قابلة لتعدّد القراءات».

كتابة الإحباط

في سؤال للاجامي حول اختياره أن تكون إحدى شخصياته في الرواية “إسرائيلية” من أصل مغربي، بينما بطله “وحيد” سعودي من الأقليات الشيعية بالمنطقة، وإن كانت هنالك رسالة يودّ تمريرها عبر صناعة شخصياته أجاب اللاجامي: «إذا انطلقت من نهاية المداخلة السابقة فإن الشخصية ليست معطى جاهزا بل هي دال حاضر تتكون مدلولاته من خلال القراءة أي أنها كمدلول غائب من إنتاج القارئ.
النكسة هزت يقينيات الذات العربية وسببت جرحا نازفا انقلب على فكرة الثقة التي سيطرت في فترات التحرر الوطني

إذا تموضعت ضمن هذه الرؤية يمكنني أن أذكر أن شخصية “سارة عمار” كانت عامل توتر ومكونا كاشفا لالتباسات الهوية وألغامها وأسئلتها، ففي ظل الاصطفاف الطائفي الذي عبرت عنه شخصية وحيد كونه شيعيا كانتماء اجتماعي لا على مستوى الرؤية يحيا وسط حالة الانقسام الحادّة في العالم العربي بكل ما تحمله حالة الانقسام من الغضب لدى أفراد الأقليات تجاه الأكثرية بكل عنفها الرمزي. في النهاية نحن نعيش هوياتنا المغلقة لكننا نعيش التباساتها حينما نواجه تناقضاتها وهو ما تمّ طرحه من خلال كلا الشخصيتين».
15