مظاهر تسلم الحكم في تاريخ مصر يعكس قرب السلطة من مصالح الناس

الاثنين 2015/02/09
الكتاب يكشف زوايا منسية من تاريخ حكم مصر

متسلحـًا بدقة المعلومات واستقصاء التاريخ من مصادره الأصلية والأصيلة، يبحر الكاتب ياسر ثابت في بحور السياسة من خلال كتاب “حكام مصر من الملكية إلى السيسي”، الذي يقدّم فيه قراءة لتفاصيل تتعلق بزوايا منسية من تاريخ حكم مصر ارتبطت بتنصيب الحكام، وقصور الحُكم، وصراعات السلطة، عبر نحو قرن من الزمن (1917-2014)، مؤكدا أنه منذ عهد الملك فؤاد الأول، أول ملوك مصر في العصر الحديث، وصولاً إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، مسافة زمنية ومساحة كبيرة جرت فيها أحداثٌ جسيمة وتطورات فارقة في تاريخ مصر، تستحق التفكير فيها والتدبّر في دلالاتها وأدوار شخصياتها الرئيسية.

يستهلّ ثابت كتابه بالتطرق إلى دلالات المراسم التي رافقت تنصيب الحكام قديما، حيث يقول “لعل مظاهر الاستقبال أكبر فخ يقع فيه رؤساء مصر، الذين يميلون إلى قياس حجم شرعيتهم – وربما شعبيتهم- طبقـًا لفخامة المراسم، فيما تقوم البيروقراطية بخطواتها المحفوظة تجاه المنصب لا الشخص”.

ويضيف أنّ استخلاص الدروس من التجارب السابقة هو السبيل إلى عدم تكرارها أو إعادة إنتاجها. وتفيد دروس هذه التجارب، وغيرها في العالم، أن قدرا من المناعة ضد غرور السلطة صار شرطـا لازمـا لتوقع نهاية طيّبة لأي حاكم. فهذه المناعة ضرورية لمقاومة شهوة السلطة وغوايتها، وما يقترن بها من ميل إلى التسلط والاعتماد على حلقة ضيّقة من الموالين وأهل الثقة وصولا إلى الانعزال عن الشعب وافتقاد القدرة على قراءة الواقع.

من ثمة، تطرق في فصل بعنوان “عهد الصبي” إلى الحديث عن تضخيم مراسم تنصيب الملك فاروق في 29 يوليو سنة 1937، رغم صغر سنه حينها، والتي اختتمت بكلمة لرئيس مجلس الوزراء حينها، مصطفى النحاس باشا، قال في جزء منها “اليوم قد أتم جلالة الملك بحمد الله 18 عامـا هجريـا من عمره المديد السعيد، ففي هذا اليوم الباسل تحتفل مصر من أقصاها إلى أقصاها بمباشرة جلالته لسلطته الدستورية، وتفتح عهدا جديدا آيته اليُمن والهناء وطابعه السعد والرخاء، ورائده الأمل الزاهر والعمل الصالح، والسعي الدائب الحثيث إلى مستقبل مجيد”.

وكانت تلك الكلمة وغيرها تُذاع بميدان الأوبرا وميدان السيدة زينب وميدان باب الحديد بالقاهرة مباشرة، وكذلك بميدان سعد زغلول وميدان سوق الخيط وميدان باكوس بالرمل بالإسكندرية، من ثمّة جاب موكب الملك شوارع المحروسة، قبل العودة إلى قصر عابدين، في احتفالية كبرى شارك فيها الشعب الذي كانت لديه آنذاك آمال عريضة في حاكم شاب اعتقد الناس أنه قد يوفر لهم العدل والحرية، وزادت هيبة المراسم من إحساسهم ذاك.

وبالربط بين تلك المراسم وما لحقها، تطرق الكاتب في الفصل الذي يتحدث عن الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي حمل عنوان “دموع النائب” إلى القيام بمقارنة ضمنية بين ما فات وما لحق، حيث عرض الأحداث والخطوات التي قامت بها الجهات المعنية يوم تنصيب مبارك على سدّة الحكم، ليحيل القارئ إلى نوع من المقارنات التاريخية التي يمكن أن تُوحي بتشابه من نوع ما في الصورتين.

من ثمّة يورد المؤلف ملاحظات على متغيّرات متلاحقة شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة، ومن ذلك أنه في يوليو 2013، حملت أرض مصر أربعة حكام على قيد الحياة بصفات مختلفة، واختلفت معها طبيعة المراسم والمرحلة ككل، هم كلّ من محمد حسني مبارك الذي تنحى في فبراير 2011 وظل متنقلاً ما بين المستشفى والسجن، ومحمد سيد طنطاوي رئيس المجلس العسكري الذي تولى إدارة شؤون البلاد في الفترة الانتقالية بعد الثورة وسلَّم السلطة في يونيو 2012، ومحمد مرسي، الذي عزله الجيش إبان ثورة شعبية طالبت بتنحيته، والمستشار عدلي محمود منصور الذي حمل لقب “الرئيس المؤقت”، لتدخل الرئاسة المصرية في مرحلة جديدة لم تشهدها من قبل.

ليتوقف بعد ذلك عند الرئيس المؤقت السابق عدلي منصور، الذي قال في كلمته الوداعية للمصريين بمناسبة انتهاء مهمته “لَقَدْ قَبِلْتُ بتِلكَ المُهمَّةَ أَداء للواجب”، والتي وجه خلالها 7 وصايا للرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسي تعلقت بمصلحة مصر وأهلها.

في 4 يونيو 2014، خرج عدلي منصور، مودعـًا الرئاسة وأيامها، خرج من القصر إلى مكان ما قبل أن يعود إلى موقع رئيس المحكمة الدستورية. وبذلك اعتبرت المراسم البسيطة التي سلم خلالها عدلي منصور، الرئيس المصري الوحيد الذي سلم الرئاسة إلى رئيس آخر في احتفال رسمي، بعد إعلان اللجنة العليا للانتخابات عن فوز عبدالفتاح السيسي، هي المراسم المعقولة والطبيعية.

وبذلك يخلص الكاتب إلى أنّ التوقف عند المصطلح الذي صكه عدلي منصور في خطابه الوداعي، صار ضرورة لفهم حُكم مصر في السنوات المقبلة، فالثورة جاءت من أجل ذلك تحديدًا، دون الانتقاص من هيبة ومقام المنصب الرفيع. فقد بات لزامـًا على أيّ حاكم لمصر وضع منصبه ودوره في السياق الصحيح والمكانة الواجبة، وهنا ذكّر بمواقف وسياسات مبارك المتعنّتة وممارسات محمد مرسي الصادمة للشعب والمتعالية عليه والمخاصمة لطموحاته، والمعتدية على حرياته من جماعته وأنصاره، فالرئيس هو المسؤول عن ذلك أيضـًا، وعليه أن يفهم دروس التاريخ جيدا وألا ينزلق لما انزلق إليه السابقون، فمراسم تسلّم الحكم مرتبطة بمدى استعداد الرئيس لخدمة الوطن والشعب لا بالبهرج.

6