مظاهر سياسة التخبط لدى الإخوان وحدود التطابق مع ميليشيات إيران

تنظيم الإخوان المسلمين بكل فروعه ومسمياته، لا يمكن أن يحيد عن السياسة التركية وحساباتها في المنطقة، خصوصا بعد الخسائر التي مني بها في مصر أساسا وتونس بدرجة أقل، والمتتبع لسياسة الإخوان وحساباتهم في ليبيا لا يمكن أن يفصلها عن تلك التي تقوم في سوريا، أمّا التطابق مع الميليشيات التابعة لإيران فواضح حتى في أدق التفاصيل.
الجمعة 2016/10/14
أنقرة عاصمة القرار الإخواني

في أواخر شهر مارس الماضي، ترقبت حركة الإخوان المسلمين - من أنقرة إلى ليبيا- مصير اللقاء المرتقب بين زعيم الحركة دولياً رجب طيب أردوغان وبين رئيس أكبر دولة في العالم باراك أوباما، وذلك لفهم مصير توابع الحركة في الحرب السورية.

الزيارة كانت تحمل في طياتها عرضا تركيا أخيرا للرئاسة الأميركية والذي تضمن الحرب ضد تنظيم الدولة المستقر على الحدود السورية التركية منذ أكثر من سنة في سلام تام مع جنود دولة الرئيس الزائر لواشنطن، فبعيد تفجيرات بروكسل زاد الضجيج الدولي الناتج عن سبب ذاك السلام، وعن سبب عدم تحرير تلك المناطق من التنظيم على افتراض أن النظام السوري خارج اللعبة هناك.

وسبب تقاعس قوات التحالف الدولي، وحلفائها المحليين، في التحرك باتجاه تلك النافذة الإرهابية المطلة على العالم، والغرب بالتحديد، والذي كان السبب الرئيس لعدم الحراك ذاك، هو الرفض التركي المطلق لوصول القوات المحلية “العربية الكردية” القريبة من واشنطن إلى تلك المناطق تحت تأثير النوازع القومية والخوف من انحسار النفوذ العسكري التابع للجماعات الموالية له هناك.

عند عودة أردوغان من الولايات المتحدة بعد لقائه القصير جداً مع أوباما، كان يحمل في جعبته الموافقة المطلوبة، وبالفعل دخلت فجأة قوات تتكون من ميليشيات تابعة للدولة التركية وجماعة الإخوان كـ"السلطان مراد" و"أحرار الشام"..، وطردت التنظيم من بلدة الراعي المهمة في وقت قصير جداً.

وكان التقدم المذكور قد تم تحت دعم نيران المدافع التركية التي عملت ولأول مرة منذ الحرب السورية بصورة جدية ضد تنظيم داعش.

في أعقاب هزيمة التنظيم كان الإعلام التابع لحركة الإخوان يهلل للنصر وكأنه بداية للسيطرة على كل سوريا "ما بعد النظام" في حين كانت جماعة الإخوان تعتبر كل تقدم على حساب التنظيم في المناطق السورية الأخرى بمثابة النكسة للثورة، على اعتبار أن المتقدمين على حساب التنظيم ليسوا من التيار الموالي لخط الحركة.

تيار فجر الإسلام المدعوم في غرب البلاد لم يملك القدرة على السيطرة الكلية على الدولة الليبية لفقدانه أي دعم شعبي في شرق البلاد ووسطها

لم تستمر العملية طويلاً حتى عاد التنظيم وسيطر على البلدة من جديد، ولحق بفلول الحركة خارج البلدة حتى أصبح على مشارف مدينة “أعزاز”، البلدة الأخيرة التي تسيطر عليها المعارضة القريبة من تركيا.

ولم تكن تلك الخسارة تكتيكية مؤقتة في حرب مفتوحة فقط بل كانت هي الخسارة الأكثر إيلاما لحركة الإخوان في سوريا بعد الخيبات الأخرى في دول الربيع العربي.

أصبحت تركيا تراقب، وبألم شديد، دعم التحالف الدولي ضد داعش لقوات سوريا الديمقراطية (تشكيل عربي كردي) وهي تتقدم في شمال حلب بعد انتشارها وانتظارها لشهور على ضفة نهر الفرات الشرقية للقيام بالمهمة التي فشلت فيها الجماعات الموالية لتركيا.

ونجحت في تلك الخطوة في منبج المنيعة كخطوة أولى مهمة، لكن ظروف الانقلاب الفاشل وقضية فتح الله غولن، والانفتاح على روسيا وتقديم الاعتذار لها وخفض مستوى العداء للنظام، كل ذلك مكّن تركيا من فرصة جديدة تؤمّن لها السيطرة على المناطق ذاتها ولكن مع مخاطر أوسع من ذي قبل. وتتوالى حالياً الأخبار عن التوجه إلى بلدة الراعي من جديد.

وبعيداً عن بلدة الراعي السورية، كانت الصورة المذكورة في ما تقدم بدأت تتبلور مرة أخرى في ليبيا، والتي أنهكتها سنوات من القتال الداخلي، وانتشار التيارات المتطرفة، وفي مقدمتها تيار فجر الإسلام، وتنظيم داعش في ليبيا التي تعتبر واحدة من المنافذ القليلة المتبقية للتيار في شمال أفريقيا، وبدأت الخيارات تنحصر في ليبيا بعد الخسارات المتتالية في سوريا.

لم يملك تيار فجر الإسلام المدعوم في غرب البلاد، القدرة على السيطرة الكلية على الدولة الليبية لفقدانه أي دعم شعبي في شرق البلاد ووسطها.

حاولت تركيا والبعض من الدول الإقليمية والبعض من القوى السياسية القريبة من الإخوان في تونس دعم التيار على حساب تيار اللواء حفتر المتمركز في شرق البلاد، والمدعوم مصرياً، لكنه فشل رغم كل الدعم المقدم، ورغم إيقاظ خطابات “هوياتية” من نوع أن أهالي مصراته أتراك! وعليهم تتبع خطى الخيار التركي الداعم لفجر الإسلام.

الشرعيات التي حاول التيار الإخواني بمسمياته المختلفة إيجادها له من سوريا إلى تونس مرورا بمصر وليبيا، ظلت تثير الشكوك

كان تيار اللواء حفتر يقاتل على جبهتين، جبهة فجر الإسلام الراديكالية وجبهة داعش المتمركزة في سرت. فشل كل طرف (فجر الإسلام وحفتر) في القضاء على الآخر، وفشلا أيضا في القضاء النهائي على التنظيم فتدخلت السياسات الدولية التي تحاول تأمين صادرات النفط الليبية، وتحاول ردع عمليات تهريب المهاجرين من الشواطئ الليبية باتجاه أوروبا، والأهم من ذلك كله كان التدخل الأميركي الجدي في القضية الليبية هذه المرة كمحاولة لتغطية رحيل أوباما بنصر معنوي على داعش في ليبيا كما هو الحال في سوريا والعراق.

حاول الغرب إجلاس الجميع على الطاولة، ولكن دعم البعض من الدول الإقليمية قرّب الصورة مؤقتاً لصالح التيار القريب من الإخوان تحت مسمى حكومة الوفاق الوطنية، والتي حاولت إعلان نفسها وكيلا ًحصرياً في محاربة التنظيم، وبالتالي كسب الشرعية، وتحجيم قوات اللواء حفتر العســكري الشبيــه بجينرالات عهد الاستبداد.

بدأ الهجوم على مناطق سيطرة داعش، ودخلت المعركة مدينة سرت معقل التنظيم الرئيسي، وعادت صورة بلدة الراعي السورية من جديد تظهر في ليبيا من حيث التهليل الإعلامي الإخواني لتلك المعارك، التي لم تستمر طويلاً في انتصاراتها فعادت الخيبات الإخوانية من جديد.

بعد الجمود في الجبهة، والصمود الداعشي داخل سرت، بدأ العالم يحاول التقرب من قوات المعارضة المتمركزة في بنغازي.

ولم يعد من المستغرب سماع الجماعة وهي تنادي بالدعوة إلى الوحدة مع قوات اللواء حفتر الذي سيطر حديثا على الموانئ البحرية في وجه التنظيم في محاولة أخيرة لإيجاد موطئ قدم لها في ليبيا ما بعد داعش مستفيدة من الدرس السوري في شمال حلب.

الشرعيات التي حاول التيار الإخواني بمسمياته المختلفة إيجادها له من سوريا إلى تونس مرورا بمصر وليبيا، ظلت تثير الشكوك، فالجماعة ظلت لشهور في وئام مع داعش في ليبيا، وأثبتت في مصر تعطشها للسلطة، كما كانت لها يد في الكثير من المحن السورية، وكذلك محاولتها السيطرة على تونس دون أي اعتبار للطبيعة المجتمعية لسكانها.

الأكثر خطورة من كل ما سبق، هو تحول الجماعة في أحد أهم مراكز قرارها “أنقرة” إلى قاعدة عدم استقرار دولي، ومركز لنشر الدعوات الدينية، وتعزيز النوازع السلطوية، وتمويل التطرف في الجوار، والتدخل في شؤون دول الإقليم المعتدلة.. بالضبط كما تفعل إيران من خلال الملتحين المقربين منها من الميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية والسورية.. وإن بدأ بعضهم بحلق تلك اللحى للتباهي بالتمدن، والتقرب من الغرب، كنوع من التكتيك الذي عفا عليه الزمن.

13