مظاهر طائفية ترافق معركة الموصل في منعطفها الأخير

سكّان مدينة الموصل العراقية وهم يستعدّون لتوديع حقبة داعش القاتمة يساورهم قلق شديد على مصير مدينتهم ومخاوف من أن يقعوا، بعد الاضطهاد الذي تعرّضوا له على يد التنظيم المتشدّد، فريسة اضطهاد لا يقل قسوة على أيدي الميليشيات الشيعية التي جيء بها لتشارك في مسك الأحياء المستعادة.
السبت 2017/03/11
تحويل المعركة إلى "زحف مقدس" على الطريقة الإيرانية

الموصل (العراق) - انتزعت القوات العراقية الجمعة حيي العامل الأول والثاني بالقسم الغربي من مدينة الموصل، من سيطرة تنظيم داعش، محقّقة بذلك المزيد من التقدّم باتجاه استكمال استعادة المدينة من التنظيم، وهو ما بات يعتبر مسألة وقت وفق تصريحات كبار الضباط المشرفين على الحملة العسكرية في مركز محافظة نينوى بشمال العراق.

وفيما يستعدّ سكان المدينة لتوديع حقبة داعش القاتمة بما حملته لهم من قتل وتشريد وجوع ومضايقات من قبل عناصر التنظيم المتشّدد، يساورهم قلق شديد على مستقبل الاستقرار في مدينتهم، بعد أن لاحت مؤشرات سلبية على ممارسات طائفية ضدّهم من قبل عناصر الميليشيات الشيعية التي استُقدمت لتشارك في عملية مسك الأرض وحفظ الأمن في الأحياء المستعادة من داعش.

وأذكى تلك المخاوف ما بات يواجهه سكان القسم الشرقي من المدينة من ممارسات طائفية ضدّهم من قبل عناصر الميليشيات.

ومن بين هذه الممارسات اعتقال مواطنين أبرياء بدعوى تعاونهم مع داعش، واختطاف عوائل عائلات ميسورة للحصول على فديات مالية، فضلا عن عمليات سلب ونهب لمنازل ومحال تجارية، ما أفقد الكثيرين الثقة في المنظومة الأمنية، وفق متضررين وخبراء اعتبر بعضهم أن ما يجري يستهدف إحداث تغيير ديمغرافي في المدينة البالغ عدد سكانها نحو 1.5 مليون نسمة غالبيتهم العظمى من أبناء الطائفة السنية.

وقال رئيس “منظمة العدالة الإنسانية” الأهلية عبدالقادر خليل لوكالة الأناضول، إنه “جرى تسجيل أكثر من حملة اعتقال لمواطنين أبرياء لا علاقة لهم بداعش نفذتها قوات ترتدي الزي العسكري الرسمي، وتستقل سيارات حكومية، وتنتمي إلى الميليشيات بحسب الشعارات التي ترفعها”.

ومنذ 17 أكتوبر الماضي يواجه تنظيم داعش عملية عسكرية تنفذها قوات عراقية مدعومة من التحالف الدولي، أفقدت التنظيم السيطرة على الجانب الشرقي من المدينة، فيما يجري التقدم حاليا في معركة الجانب الواقع غربي نهر دجلة.

ويشرح عبدالقادر أن “15 مواطنا من مناطق أحياء الزهور، والزراعي، والنور، والشرطة، شرقي الموصل وشمالها، تم اعتقالهم في ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء من كتائب ‘بابليون’ المندرجة ضمن الحشد الشعبي بذريعة تعاونهم مع داعش”.

وأضاف أن “الكثير من المنازل السكنية والمحال التجارية والمنشآت الحيوية في الجانب الشرقي المحرر من الموصل تعرضت إلى النهب والسلب”، مؤكّدا أنّ “الميليشيات بدأت تجوب الشوارع وتمارس أعمالها بحرّية تامة في وضح النهار دون أي رادع”.

وأوضح أنه “جرى تسجيل ثلاث حالات اختطاف شرقي الموصل لمدنيين ميسورين من قبل عناصر الميليشيات، ثم إطلاق سراحهم بعد الحصول على فديات مالية كبيرة تقدر بالآلاف من الدولارات”.

وشدد رئيس المنظمة الحقوقية العراقية على أن “المواطن أصبح لا يفرق بين عناصر الميليشيات والقوات الأمنية، لكون الجميع يرتدي الزي العسكري، ويحمل السلاح الناري الحديث، ويستقل المركبات الحكومية”.

ويقول محمود علي الحداد، رئيس رابطة “حرية الموصل وكرامتها”، إن “المدنيين في الموصل بدأوا يخشون القوات الأمنية، كما كان الوضع قبل أحداث يونيو 2014”، أي قبل انسحاب القوات الأمنية العراقية وسيطرة داعش على الموصل.

وتعزو القوى السُنية في العراق ظهور داعش، واكتساحه العديد من المحافظات العراقية إلى الخلافات السياسية، وتفرد أطراف شيعية بالحكم في بغداد، وغياب الرؤية المشتركة لإدارة مؤسسات الدولة بما في ذلك المؤسسات الأمنية.

جميلة سلطان العبيدي: غير مقبول إخراج المواطن من قبضة داعش وإدخاله تحت حكم الميليشيات

وتابع الحدّاد “الاعتقالات العشوائية وعمليات الاختطاف والسلب والنهب والابتزاز ومطاردة الكفاءات، بعد أسابيع من اكتمال عمليات تحرير الجانب الشرقي من داعش، تثير الكثير من علامات الاستفهام لدى المواطن، وتدفعه إلى فقدان الثقة بالمنظومة الأمنية”.

وشدد على أن “تلك الممارسات غير الأخلاقية في المناطق المحررة لا تخدم أي طرف سوى التنظيم الإرهابي الذي راهن ويراهن على الورقة الطائفية”.

وحذّر الحداد من أنه “في حال استمرار الأمور بهذا المسار، فإن الموصل عائدة إلى المربع الأول قبل أحداث يونيو 2014، عندما كان المواطن لا يثق بالأجهزة الأمنية، ولا يرغب في التعاون معها بسبب الفساد الذي كان مستشريا في جميع المرافق الحكومية”.

ووفق المحلل السياسي العراقي، محمد الصواف، فإن تدهور الوضع الأمني في الجانب المحرر من الموصل يعود إلى “غياب التنسيق بين الأطراف المشاركة في العملية السياسية”.

ولفت الصواف إلى أنه “بعد أن أكملت القوات العراقية عملياتها ضد داعش في الجانب الشرقي من المدينة، بدأت بوادر الأزمة الأمنية بالظهور جرّاء غياب الرؤى من الجهات المختصة للتعامل مع مثل هذه المواقف، فضلا عن عودة الصراعات السياسية”.

وحذّر من أن “الأزمة الأمنية ستتسع في القريب العاجل في حال استمر الوضع على ما هو عليه لفترة أطول”.

واعتبر أن “الحل الأمثل هو نشر قوات دولية لحماية المواطن والحفاظ على ممتلكاته الخاصة والعامة، لحين الانتهاء من تحرير مدينة الموصل بالكامل، ومن ثم الاستعانة بقوات نظامية لتحل محل القوات الدولية”.

ويرى مؤيد طلال الكرطاني الأكاديمي العراقي الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية أن “تدهور الوضع الأمني في المناطق المحررة من المدينة تتحمله الحكومة المركزية لإصرارها على إدارة الملف الأمني بالطريقة القديمة، دون إيلاء أي اعتبار للمتغيرات التي طرأت على مجمل الأوضاع في نينوى وخارجها خلال أكثر من عامين”.

ويشرح الكرطاني أنّ حكومة بغداد ارتكبت خطأ فادحا بتكليف الحشود الشيعية بمهمة السيطرة على الأرض، في ظل انشغال القوات المسلحة الرئيسة منذ 19 فبراير الماضي بمعركة تحرير المناطق الغربية من الموصل.

وشدد على أن “الوضع الأمني مقلق للغاية، وفي حال عجزت الجهات العسكرية والسياسية عن إيجاد الحلول الناجعة، فسيضيع النصر بين أرجل منفذي العمليات الطائفية والمروجين للأزمات والمستفيدين منها”.

وكشفت عضو مجلس النواب العراقي عن نينوى جميلة سلطان العبيدي عن توجّه ممثلي المحافظة في البرلمان لإدراج ملف الانتهاكات التي يتعرض لها أبناء الموصل من قبل عناصر خارجة عن القانون على جدول أعمال الجلسات البرلمانية القادمة للوصول إلى قرار يحد منها.

وأكّدت العبيدي امتلاكها شهادات من مدنيين عزّل في المناطق التي جرى تحريرها تفيد بتعرضهم إلى انتهاكات على أيدي ميليشيات بدوافع انتقامية طائفية.

ورأت أن “الميليشيات تحاول من وراء هذه الأفعال إحداث تغيير ديموغرافي في الموصل، والسيطرة عليها، والتحكم بمقدراتها المختلفة”، معتبرة “إخراج المواطن من قبضة داعش، وإدخاله تحت حكم الميليشيات أمرا غير مقبول بتاتا”.

وبحسب الناشط المدني أيهم معتز، فإن “الحملة العشواء التي تتعرض لها الموصل مستمرة، وستبقى حتى بعد الانتهاء من حقبة داعش، وذلك بهدف إفراغ المدينة من طاقاتها البناءة”.

وتابع معتز أن “الكثير من الممارسات غير الأخلاقية باتت تستهدف الشريحة الراقية في المجتمع الموصلي، مثل الطبيب، والمهندس، والتاجر، والمحامي، والإعلامي، لإجبارهم على مغادرة المدينة أو البقاء فيها وتحمّل نتائج بقائهم”.

واعتبر أن “الميليشيات تستكمل ما بدأ به داعش تجاه كفاءات الموصل وسكانها بصورة عامة، وهذا الأمر لا يمكن أن يكون مصادفة”.

3