مظفر النواب في بيروت مغيبا في الباركنسون.. عابراً جسر الحياة الأخير

الثلاثاء 2013/09/03
بريشة الفنان جمال الجراح

في ليالي دمشق..في المخيّم ودمّر البلد والسبع بحرات وقدسيا.. في الأحياء الفقيرة، لا يمكنك أن تنسى مظفر النواب، ولا يغادرك صوته الشجي العميق في سهرات الشام السريّة، إذ يجتمع المطلوبون والمطاردون ومعارضو حافظ الأسد وبشار الأسد بعده، مع ضيف سوريا الذي رفض زيارة القصر الجمهوري، وقبل من الشام أن يسكن الشام، فلم يرتضِ التكريم ممن يضطهد الفقراء والمساكين والأحرار، ولم يقبل بالبقاء في بلادٍ لا كرامة فيها للإنسان الذي حارب النواب من أجله في كل مكان.

مظفر النواب أتى إلى دمشق يوما محتفلا بها، قائلا: "الله يا بنفسجا كتومْ…من لامنا على الهوى ملومْ…أميرُ هذا الليل في دمشق..نهدٌ أمويٌ ظالمٌ ومظلومْ"، ثم تصاعدت العلاقة مع الشام، وبات باعة اليانصيب فيها يلاحقون النواب من مكانٍ إلى آخر، وكتاب التقارير والمخبرون الليليون فغادرها وعاد إليها وغادرها مرارا حتى خبرها وتعلّق بها:


"ومازلتُ تأخذني القشعريرة فوق الجسورْ

وتعرَقُ كفّي على خبرتي بالجسورْ

وما قد عبرتُ

وأصعبُ جسرٍ

وقد أزِفَ الوقتُ

جسرُ الحياةِ الأخيرْ

وأركضُ بين حمامٍ على كتفيّ ورأسي

وبين حمامٍ يطيرُ أمامي لعلّي أطيرْ"


ويضيف الشاعر مظفر النواب في مديح دمشق قوله:


"دمشقُ عدتُ بلا حزني ولا فرحي

يقودني شبحٌ مضنى إلى شبحِ

ضيّعتُ منكِ طريقاً كنت أعرفه

سكرانَ مغمضةً عيني من الطفحِ

دمشق عدتُ وقلبي كلّه قرحٌ

وأين كان غريب غير ذي قُرحِ



هذي الحقيبة عادت وحدها وطني ورحلة العمر عادت وحدها قدحي

أُصابِحُ الليل مصلوباً على أملٍ

أن لا أموتَ غريباً ميتةَ الشبحِ"



النشأة في بغداد


امرأة تعزف على البيانو، في بيت مترفٍ وعتيق في زقاقٍ أطلق البغداديون عليه اسم (شريعة النواب) في الكرخ العريقة، وطفلٌ تعلّقت فراشات روحه بحواف ثوب تلك المرأة، طويلا طويلا…في شبابه في السجون، وفي منافيه العديدة، في شعره الغاضب، وفي شعره العامي الرقيق…ولم ينهر جسده إلا حين توقف قلب تلك المرأة…الأم…في بغداد..ليتوقف قلبه في دمشق…ولكنه كان حينها قرّر ألا يموت.

ولد في ذلك البيت ..على صوت تدفّق أمواج دجلة، ولد مظفر النواب في العام 1934، وتابع دراسته في كلية الآداب ببغداد، وفي العام 1958 تم تعيينه مفتشا فنيا بوزارة التربية في بغداد، بين مثقفي العراق الكبار، كان النواب يشعر أنه مجرّد رسام، ولم يكتب الشعر إلا بعد أن خلّقت التجربة الإنسانية لغته ووعيه، وألقى بنفسه في خضّم التجربة الشيوعية التي ناضلت في العراق.

كما ناضلت في كل مكان، تارة ضد الملوك وتارة ضد الجمهوريات، وطاردته الأجهزة الأمنية، فاختبأ بين بدو العراق، وعاش بين الفلاحين، وغاصت قدماه في طين الجنوب، وتعرّقت لغته الفصحى والعامية من لهجاتهم وابتكاراتهم العبقرية في الكلام والمشاعر، عابرا حدودا لم يعترف بها يوما، فُصلت العراق عن الضفة الشرقية للخليج العربي، حيث الأهواز، متدثرا بسيرة الحسين الأهوازي الإسماعيلي في منامه، الذي كان يذهب من الأهواز إلى المركز في سلمية السورية، ومستوقفا كل عابر طريق، يسأل عن برعم وعصفور في الأفق الأزرق .. في الصبح، وقد وثّق هذا كلّه في قصيدته الشهيرة (الوتريات الليلية)


"يا حامل مشكاة الغيبِ

بظلمة عينيك

ترنّم من لغة الأحزان

فروحي عربية..

والقلبُ تعذّر من فرطِ مراميهِ

والقلبُ حمامةُ برٍّ لألأها الطلُّ تشدو والشدو له ظلُّ".


وفي الأرض العربية، ألقت المخابرات الإيرانية (السافاك) القبض عليه أيام الشاه، وتعرّض للتعذيب الشديد، ولكنه صمد، ولم يطلب الرحمة، فقاموا بإعادة تسليمه إلى العراقيين، الذين حكموا عليه بالإعدام، ثم خفّفوا الحكم إلى المؤبد ليودع في سجن (نقرة السلمان) ثم في سجن (الحلة) وليهرب مع رفاق سجنه عبر نفق حفروه بملاعق الطعام، في أرض الزنزانة يؤدي إلى خارج أسوار السجن، وليعود من جديد إلى الحياة بين البسطاء والفلاحين، في السجن، قضى أوقاتا بين العتمة والوحشة والحنين، ولكن أيضا مع قاع المجتمع العراقي من هامشيين تعرضوا للظلم، فلم يدعهم النواب دون أن يمتزج مع أدقّ يومياتهم وأرقّ مشاعرهم.

وهناك فوجىء في نومه بصوت أحد العتّالين من زملائه في السجن، وهو يغني قصيدته (الريل وحمد) التي كانت قد لحّنت وغنّيت وانتشرت وتعلّق بها الناس وكاتبها لا يعلم، مطويا في غياهب السجن، وليدرك سحر الاتصال ما بين الكلمة الرفيعة، والشعب.. بحرفية ما تعنيه كلمة الشعب، وقصة (الريل وحمد) التي عرفها الناس، ما زال يتقدّم منها قطار الليل، حاملا النواب والعاشقة التي إلى جواره تحكي له حبها في (أم شامات) مع حبيبها الذي باعدت بينه وبينها المسافات، وصيحة القهر ورائحة الهيل.


المنافي والحب والثورة


وفي العام 1969 غادر بغداد إلى بيروت التي اختلط مع عالمها وحاناتها وثوراها ومثقفيها ليغادرها من جديد إلى العالم في رحلة لم تنته حتى اللحظة في بيروت...أقول لم تنته.. ليس بعد.. فمظفر النواب يريد ألا يغادر العالم العربي وهو يزدري أنظمته ويحرّض شعوبه دون جدوى.. صديق كل الثوريين والمهجرين والفدائيين، رفيق اليساريين في أنحاء العالم، ساريا في ليله في البادية العراقية وباديته الخاصة التي صنعها من حكايات شعره، مبتدئا بـ (حجّام البريّس)، و(سعود).. وقصيدة (روحي) الخالدة و(زرازير البراري)…مستندا إلى عالم كبير من المعرفة الواسعة أنهك عينيه وعقله في البحث عنها، من تراثٍ هائلٍ جعله لا يشعر بالزمن فقد عاش مع شعراء بغداد القدامى وكأنهم مجايلوه، مع ثورة الزنج، مع بدو العراق، مع جدّه الذي غادر بغداد إلى الهند ليتولى منصب الـ(نواب) الحاكم في إحدى ولاياتها، في كل اتجاه، كان النواب يعمل ويعمل، جاعلا من نفسه وثيقة إنسانية، لا تتوقف، ولا تقبل الانحسار، ولا العودة إلى الوراء، وكان بينه وبين عراقه الذي افتقده كل لحظة وصرخ في السماوات طويلا (يا ربّ التفتْ للناس… أينهُ وَعْدُ الذين استضعفوا في الأرض) ..خطوات فصلته عن بغداد، ودعوات من كل السلطات التي حكمت عاصمة الرشيد، قبل صدّام حسين الذي كان يستمع إلى أشرطة قصائد النواب المنتحبة، وبعد صّدام…لم يرد النواب أن ينهي الصراع منفردا، ليس قبل أن تنال الشعوب حريّاتها:


"سُبحانَكَ كُلُّ الأشّيَاء رَضيتُ سِوى الذُّلْ

وَأنْ يُوضَعَ قَلبِيَ في قَفَصٍ في بَيْتِ السُلطانْ

وَقَنِعْتُ يَكونُ نَصيبي في الدُنيا.. كَنَصيبِ الطير

ولكنْ سُبحانَكَ حتى الطيرُ لها أوطانْ".



النواب يحارب مع ثوار أفريقيا


لا تسمع من مظفر النواب عن حدثٍ عادي، كان يرى كل ما يمرّ به فريدا وخاصا، ومع ذلك بقيت صوره وأحاديثه وتفاصيله الدقيقة التي تشبه خطّه الدقيق في الكتابة برأس قلم الحبر، قريبة حميمة من كل أحد، ليدخل النواب في حياة الناس، وليخرج منهم عاليا في الذاكرة العربية.

ولم يكتف النواب بثورة الشعر، متقلبا كتبّاعةٍ من ذهبٍ، بين صفحات الفكر العالمي والتراث العربي والإسلامي، والتصوّف، والباراسيكولوجي، بل قرّر العبور من بوابات المعرفة إلى تعب الليل، ليس في النوادي الأدبية، وليس في مراكز الثقافة والمجالس.. بل في ساحات الحروب والتحرّر، فأصبح الناس يوما وإذا بمظفر النواب يحارب مع الجيش الثائر في إريتريا، في مجاهل أفريقيا، وفي مخيمات الفلسطينين في لبنان، وفي مناطق ملتهبة من العالم، فهو من رأى في نفسه رسولا للرفض في كل مكان، وصرخةَ غضبٍ ضد كل السلطات، وطاردته الأنظمة في المطارات، ومنعته الدول العربية من دخول أراضيها، مصرّا على أن يفعل كل ما يمكن أن يزعج السلطات، قاصدا استفزازها، مصوّرا ابتذالها بالكلمات البذيئة التي لا تشبه لغته اليومية الشخصية، وهو الخجول الذي يفضّل الصمت في جلساته إذا لم يحدّثه أحد، يقول( ابتذال اللغة على قدر ابتذال الأنظمة العربية) فتحوّل عبر مسيرة طويلة إلى ممنوعٍ في كل مكان، كتبه ممنوعة، قصائده المسجّلة على الأشرطة ممنوعة، لوحاته ممنوعة، والاهتمام بما يكتبه شبهة أمنية، ثم انقضّت عليه أحزاب اليسار المرتبطة التي اكتشف أتباعها أن قياداتها من حلفاء الديكتاتورية والشبكات المخابراتية العالمية، فاتهموه بكل ما يمكن من الاتهامات، وتناولوا حياته الشخصية بالتزييف، وانحدروا في الطعن فيه، ولكنه لم يفقد مكانته في رفوف المكتبات العربية، وفي قلوب الشباب العربي، الذي ظلّ يبحث عنه في كل مكان.

في بيروت اليوم، يجلس النواب في وحشته على جسر الحياة الأخير، معزولا، مكتئبا، مما رأى العاشق في طريق الليل:

"في طريق الليل..ضاع الحادث الثاني …وضاعت زهرة الصبّار..لا تسل عنّي لماذا جنتي في النار..جنّتي في النار، فالهوى أسرار..والذي يغضي على جمر الغضا أسرار، يا الذي تُخفي الهوى بالصبر يا بالله كيف النار تخفي النار.. يا غريب الدار إنها أقدارْ..كل ما في الكون مقدارٌ وأيامٌ له إلا الهوى ما يومه يومٌ ولا مقداره مقدارْ".


ولعلّ المكانة الشعرية التي احتلها مظفر النواب، رغم كل ما حوصر به، لم تكن لتتراجع رغم مقاطعته للكثير من أبواب الشهرة والتكريس النقدي في المناخ الثقافي العربي، وقد ألّفت ونشرت مئات الكتب عنه وعن تجربته الشعرية، وكتبت وقدّمت عشرات أطروحات الدكتوراه في شعره وقصائده في العالم العربي وجامعات العالم، واهتمت إحدى الجامعات الأميركية في رسالة دكتوراه لإحدى الباحثات الأميركيات بطريقة مظفر النواب في إلقاء الشعر، فجاءت إلى دمشق وعاشت سنواتٍ فيها تدرس في بحثها فقط النبرة والإيقاع في صوت مظفر النواب على المنبر، ولم يكن هذا أمرا مألوفا في المشهد الشعري العربي.

لم يكن مظفر النواب بأي حالٍ متهتّكا سكّيرا كما يبدو في شعره، وكان أقرب إلى الصوفيّ، يستحضر الخمريات في الشعر العربي القديم، بهدف استحضار طاقتها على جذب الشعور والانفعالات لدى القارئ ـ المستمع:


"هامَ َلم يَدرِ متى أَطْفَأهُ الشَّوقُ وأيْنَ احْتَرَقَا

سِنَةٌ مَا بَيَنَ كَأسَيِنِ غَفَا ثُمَّ صَحَا واْغْتَبَقَا

سَقَطَتْ زَهْرةُ لَوْزٍ عَفَّةٌ فِي كَأْسِه

أجْمَرَتْ عَيْنِاهُ شَوْقَاً

وَتَلَظَّىَ شَبَقَا

سَقَطَتْ زَهْرَةُ لَوْزٍ غَيْمَةً فِي قَدَحِي

غَرِقَتْ .. لَمْ أَسْتَطِعْ إِنْقَاذَهَا

إِصْبَعِي زَاغَتْ مِنْ السُّكْرِ، وَقَلْبِي شَهَقَا

ليس بي فاحشةٌ إلا بأنّي لذّتي أكثرُ منّي خُلُقَا".


شاعرٌ بحجم العراق الذي عرفه العرب، تقليدي إن شئت، حداثيٌ إن شئتَ، ظاهرةٌ، ثورةٌ في رجلٍ فردٍ، أسّس جمهوريةً من القيم والجماليات تبدّد وحشة الخوف العربي الذي طال في الثمانين عاماً الماضية التي عاشها النواب، وسيكون على التحوّلات التي تجري في عالمه الذي تعشّقه وتعمّق في تفاصيله وشقوق جدرانه وبصمات ساكنيه، أن تقول للنواب اليوم إنها استجابت للصرخات قبل أن تغمض عينيك يا (أبا عادل)، وأن سؤال صديقك الشاعر العراقي الكبير الراحل بلند الحيدري ظلّ يتردّد حتى هذه اللحظة مؤكدا عبقرية نبوءتك:


"أصحيحٌ يا مظفّر؟



أنّ غصناً دفنته الريح في الصحراء



رغم الريح والصحراء".



أخضرْ؟


وسيعلم مظفر النواب وهو يسكن تمثال جسده الجامد، أن عبدالله الإرهابي الذي ناداه ساخرا ممن يلصقون به التهم تلو التهم صار عنده مجذافان وقارب:


"الليل وعبدالله أقارب..العرق البارد والنار وحزن الأيام…وعبدالله أقارب..يفهم في اللج…وأفضل من يصنع مجذافين ولا يملك قاربْ…يدفع جفنيه يقاتل لولا الصف البطلي…يزيح الجدران..يصاهر نار الأيام..أحبكَ يا عبدالله لنفسكَ غاض.. وعلى نفسكَ غاضبْ".

15