مظلة تشريعات جديدة للإعلام المصري لا تكفي لانتشاله من أزماته

لا رؤية واضحة لكيفية استعادة ثقة القراء والمشاهدين، ومصطلحات مطاطة تقنن التضييق على حرية الصحافيين.
الاثنين 2018/09/03
مشهد إعلامي متغير

القاهرة - بدأت المؤسسات الصحافية والإعلامية في مصر العمل بقوانين الصحافة والإعلام، بعد إقرارها من قبل الرئيس عبدالفتاح السيسي، ما يؤسس لحقبة جديدة من العمل تحت مظلة تشريعات موحدة تسري على وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، وتؤدي إلى تغيير شامل في القيادات.

وتلغي القوانين الجديدة، التي نشرت بالجريدة الرسمية للدولة، يومي السبت والأحد، جميع التشريعات الإعلامية السابقة التي تعمل بها المؤسسات منذ 22 عاما، وتصبح وسائل الإعلام الخاصة والحكومية مضطرة لتسوية أوضاعها خلال تسعة أشهر، عقب إقرار اللائحة التنفيذية، ما يفتح الباب أمام إغلاق العديد من المنصات التي تخالف القانون.

ومن المقرر أن يصدر الرئيس المصري قرارا بإعادة تشكيل الهيئات الإعلامية، وهي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام.

وأنهى التصديق على القوانين جدلا استمر حوالي عامين بين البرلمان والعاملين في المجال الصحافي والإعلامي، بسبب الخلافات على بعض المواد، وتحديدا المرتبطة بمستقبل المؤسسات الصحافية القومية، وفتحت مواد القانون الباب أمام إمكانية دمج وإغلاق بعضها، إلى جانب الحريات وتداول المعلومات.

ويرى صحافيون أن البرلمان الذي مرر القانون رفض استبدال عقوبة الحبس بالغرامة، وأصرّ على أن يتضمن القانون استمرار الحبس الاحتياطي في جرائم النشر، بعد أن ربطها بالجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، وهي مصطلحات مطاطة قد يجري استغلالها للتضييق عليهم.

وجعل القانون من النقابات المهنية طرفا أصيلا في مسألة الفصل التعسفي، وحظر فصل الصحافي أو الإعلامي إلا بموافقة النقابة التي ينتمي إليها.

وشهدت أروقة المؤسسات الصحافية نقاشات واسعة بين العاملين فيها بشأن قدرة تلك القوانين على إصلاح أحوالهم، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها، إلى الدرجة التي تقف فيها الصحف عاجزة عن اتخاذ قرار بزيادة أسعارها لتواكب الارتفاعات في تكاليف صناعتها، خوفا من مقاطعة القراء لها، بعد أن وصلت نسب توزيع 54 مطبوعة إلى 250 ألف نسخة في اليوم الواحد، وهي نسبة متدنية جدا.

البرلمان رفض استبدال عقوبة الحبس بالغرامة، وأصر على أن يتضمن القانون استمرار الحبس الاحتياطي في جرائم النشر

ويتطلع الصحافي محمد توفيق، يعمل في مؤسسة حكومية، إلى أن تحدث التشريعات الجديدة خرقا إيجابيا في الوضع القائم، على مستوى إفساح المجال نحو قدر معقول من الحرية يتيح للصحف ترميم ثقتها مع القراء، أو من خلال اختيارات قيادات قادرة على التنوع والإبداع وإنتاج صحافة قادرة على مخاطبة العقول التي تتعامل مع الوسائل التكنولوجية، وأضحت ليست بحاجة إلى تداول الأخبار التقليدية.

لكن هناك آخرين يرون أن استمرار الأوضاع كما هي عليه الآن أفضل طريقة لتحقيق نجاحات شخصية بالنسبة إليهم، في ظل مبدأ الاستعانة بأهل الثقة وممن لهم علاقات بأجهزة تشرف على اختيار القيادات، كما أن الاتجاه نحو أساليب متطورة لن يكون في صالحهم، مع ضعف مستواهم المهني الذي يعوق تولي المناصب، إذا جرى تغليب معيار الكفاءة لمسايرة التطورات الحديثة.

وتعتقد قيادات في مؤسسات إعلامية خاصة، أنه من مصلحتها بقاء الوضع على ما هو عليه، وسط الفوضى من دون أن تكون هناك آليات واضحة تجبرها على الالتزام بالمواثيق المهنية.

وقالت ليلى عبدالمجيد، أستاذة الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، إن القوانين الجديدة تعد عاملا هاما في تحديد المهام والمسؤوليات وتدفع إلى محاولة تنظيم العمل الإعلامي والصحافي، لكنها ليست كافية لإصلاح الوضع الراهن، مع عدم وجود رؤية واضحة لكيفية استعادة ثقة القراء والمشاهدين، وكيفية جذب جهات جديدة للمنصات الإعلامية لم تتعامل معها بالأساس، وتكتفي فقط بمواقع التواصل، ما يعدّ خطرا على الأمن القومي، بسبب الاعتماد على مصادر معلومات غير مهنية.

وأضافت في تصريحات لـ”العرب”، أن الارتكان إلى حجة التضييق لاستمرار الوضع الراهن وعدم الذهاب باتجاه التطوير حجة غير مقنعة، لأن المهني القوي يستطيع أن يحقق أقصى استفادة من المساحة التي يعمل خلالها، وإن كانت صغيرة، فالمسؤولية مشتركة بين العاملين في المجال الإعلامي لتطوير أنفسهم ودراستهم للمشاكل التي يمرون بها بطريقة موضوعية.

ويرى متابعون، أن آلية اختيار القيادات الجديدة في المؤسسات الإعلامية الحكومية سوف تكشف مدى رغبة الحكومة السياسية في انتشال الإعلام من كبوته الحالية، والاعتماد على نفس الأساليب القديمة يبدد أي مزايا قد يحملها القانون الجديد.

واستبعد يحيى قلاش، نقيب الصحافيين السابق، حدوث تغيير جذري على مستوى إدارة المشهد الإعلامي في البلاد بشكل عام، لأن ذلك يرتبط أساسا بالالتفاف على فلسفة الدستور المصري التي تهدف إلى تأسيس الهيئات والمجالس لدعم استقلالية الإعلام، غير أنها تحولت إلى أداة في يد السلطة التنفيذية للتضييق على الإعلام والصحافة. وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن التغييرات المتوقعة قد تأتي بأشخاص يتبنون تنفيذ نفس الفلسفة الحالية التي تكرس لوضع الإعلام كأداة في يد النظام السياسي، كما أن الأوضاع الرقابية المتزايدة على المؤسسات الصحافية تبرهن على أن التغيير المستقبلي محدود.

وأوضح أن استمرار النقاشات بشأن تعديل بعض المواد المرتبطة بالحبس الاحتياطي وحرية المعلومات لا بدّ أن يكون حاضرا في الأوساط المهنية والنقابية، كي يكون هناك حراك مهني يدفع نحو تغيير الوضع الراهن، ويساهم في تطبيق فلسفة الدستور ومواده الحافلة بالحفاظ على الحريات العامة والشخصية، والتي تبدو بعيدة عن الواقع.

18