معابد باربار شاهدة على أقدم الحضارات في البحرين

تمتلك مملكة البحرين تاريخا عريقا وعمقا يمتد لسبعة آلاف عام، فهي من أقدم المناطق التي استوطنها الإنسان لما تمتعت به من متطلبات العيش، كتوافر المياه، وخصوبة التربة التي تساعد على تنوع الإنتاج الزراعي، وكذلك وفرة موارد البحر من الأسماك واللؤلؤ، إضافة إلى ذلك الموقع المتميز في وسط العالم القديم الذي ساعد على تنمية النشاط التجاري فيها.
الأربعاء 2016/01/06
الحجارة ترسم التاريخ القديم

المنامة - تعتبر معابد باربار موقعا أثريا سياحيا يحوي ثلاثة معابد مختلفة، ويقع في قرية باربار في مملكة البحرين، ويعتبر جزءا من حضارة الدلمون.

والمثير للاهتمام في معبد باربار الأول هو أنه مبني على ينبوع من الماء عليه حوض البئر المقدس المحاط بجدار صخري. ومن المحتمل جدا أن يكون المكان قد خصص للغسل أو الوضوء، حيث كان الأفراد ينزلون على السلم من الجزء العلوي للمعبد إلى هذا النبع المقدس.

ويعتقد بأن معبد باربار الأول شيد لعبادة الإله إينكي وزوجته نانخور ساك وابنهما آنزاك. وتدور ملحمة الفردوس الشهيرة حول شخصية إينكي وزوجته، وهما ينتميان إلى أرباب ما بين النهرين، وأصبح ابنهما آنزاك في ما بعد كبير الآلهة في دلمون.

وتقدم بقايا المعابد المعمارية شواهد على حضارة أهل البلاد الذين شيدوا المباني الدينية وأعادوا بناءها مرات عبر القرون من جهة، ومن جهة أخرى تكشف تفاصيل أبنيته معالم التطور الذي مرت به المعابد، مثلما توضح جانبا هاما من المعتقدات الدينية وطقوس العبادة التي كان قدماء البحرين يمارسونها منذ الألف الثالث ق.م.

وبالنظر إلى فقدان الوثائق المكتوبة التي تحدد اسم الآلهة التي كان المعبد مكرسا لها، فقد اصطلح الآثاريون على إطلاق اسم “باربار” على المعبد، نسبة إلى ذلك التل القائم على الشاطئ الشمالي من جزيرة البحرين.

وأسفرت نتائج التنقيب الأثري عن بقايا معبد قديم، تعرضت أبنيته لعمليات بناء وإعادة بناء وتعديلات خلال ثلاث مراحل رئيسية، وإلى جواره اكتشف معبد آخر أصغر منه، أطلق عليه اسم المعبد الشمالي الشرقي، وقد اتضح لفرق التنقيب أن بقايا أبنية المعابد كانت قد تعرضت في الماضي إلى التهديم والسلب وتشويه المعالم المعمارية بفعل عمليات بناء تالية.

معبد باربار يتميز بخصائص ذاتية محلية منها استخدام مادة الحجر لا اللبن في البناء، واختلاف محاور توجيه المعبد، وتفاصيل شكله من الداخل، كما يتفرد بوجود نبع ماء عذب

وبالاستناد إلى تفاصيل هندسة المعبد الأول، وخاصة في مرحلتيه الأولى والثانية يتبين أن المعبد يشابه نظائر له في بلاد الرافدين، وبخاصة معبد تل العبيد السومري، غير أن معبد باربار يتميز أيضا بخصائص ذاتية محلية في مقدمتها استخدام مادة الحجر لا اللبن في البناء، واختلاف محاور توجيه المعبد، وتفاصيل شكله من الداخل، كما يتفرد بوجود نبع ماء عذب يتصل بالمعبد عبر درج.

ويتميز معبد بربار الأول بكونه الأقدم في الزمان، ويتميز كذلك بأن بناته فرشوا طبقة اصطناعية من الطين تحت كافة رقعة المعبد، وهو أسلوب متبع في المعابد السومرية، وفي هذه الطبقة تم العثور على مواد أثرية متنوعة من أوان فخارية وقطع معدنية وضعت أثناء التأسيس كهدايا نذرت للآلهة.

ويتألف مخطط البناء العام من مرتفع له مصطبة مزدوجة مدرجة، السفلى بيضوية الشكل، والعليا مربعة، ومن جناحين جانبيين وحظيرة لحيوانات الأضاحي، وهذه الخصائص حافظ عليها في المرحلتين الأولى والثانية. ويعتبر معبد باربار الثاني نسخة عن المعبد الأول وهو أحسن المعابد الثلاثة حفظا وقد بنيت جدرانه من حجارة جيدة النحت.

ويقوم معبد باربار الثالث فوق مصطبة مربعة الشكل ويحيط بها جدار حجري ضخم، ولتنفيذ البناء تم ردم أجزاء كبيرة من المعبد الثاني بالأنقاض. ومما يؤسف له أن المعبد الثالث بقي مكشوفا فوق قمة التل عبر السنين، فتعرضت عناصر بنائه إلى أضرار كبيرة نتيجة عمليات تهديم وإعادة بناء ونهب لحجارته لفترات تالية، يفوق ما تعرضت له المعابد السابقة، حتى أنه لم يتبق إلا بعض الكتل الحجرية الضخمة جيدة النحت، والتي كانت تحدد مدخله.

ويرجع بعض الباحثين بداية تشييد معبد باربار إلى أوائل الألف الثالث قبل الميلاد (عصر السلالات الرافدية الباكر الأولى)، ويضعون نهايته في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد، وهي مدة طويلة من الزمن تقارب الألف سنة. غير أن إعادة تنقيب موقع المعبد، وإعادة دراسة ومقارنة مجمل الشواهد الأثرية المكتشفة وفي مقدمتها العناصر الهندسية، والفخاريات، والأختام الدلمونية وغيرها من الشواهد الأثرية، اقتضت حصر فعاليات المعبد بمراحله الثلاث بين منتصف عهد الدولة الاكادية (بناء المعبد الأول) وعهد أسرة حمورابي البابلية (المعبد الثالث) بين 2250 و1700 ق.م ويرى بعض الباحثين أن المعبد الثالث استمر إلى نهاية الدولة البابلية القديمة.

20