معاداة التنوير سلاح السلفية لخلق الفتن الطائفية

سلفيو مصر يتعمدون استفزاز الأقباط لجرّ المجتمع إلى حروب تنطق باسم الدين.
الثلاثاء 2019/09/17
اعتداءات متكررة على الأقباط (غرافيكس "العرب")

يتمسك التيار السلفي في المنطقة العربية بالقراءات الدينية التقليدية للسلف، ويقدم تأويلات حرفية للنص الديني وتصورات جامدة للمجتمع. ويحرص دائما كغيره من التيارات الدينية المتزمتة على فرض مقولاته، وهو ما يجعل منه قوة جذب إلى الوراء أمام سعي الشعوب والحكومات العربية لترميم حالة التخلف والتفاوت الحضاري اللتين تعاني منهما. ورغبة منهم في لفت الانتباه بعد انحسار الأضواء عنهم، عمد متشددون سلفيون في مصر، عبر تطبيق متعصب لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى الاعتداء على أفراد من الطائفة القبطية، وخاصة من النساء، في استفزاز متعمد ومحاولة لجرّ المجتمع إلى مشاكل ومناوشات طائفية، وهو ما يتعارض مع جهود الحكومة المصرية التي تعمل على تعزيز وحدة المجتمع وبث قيم التجديد والعصرنة والحريات الفردية.

القاهرة – اندهش الكثيرون من الأخبار المتداولة بشأن تعرض عدد من النساء القبطيات في مصر لقص شعورهن عنوة في بعض عربات المترو المخصصة للسيدات على يد منقبات مؤخرا.

مثلت هذه الوقائع صدمة للكثير من المتابعين الذين يتمنون أن تكون جهود الحكومة المصرية في مجال تجديد الخطاب الديني والحداثة قد أثمرت، لكن هذه التطورات كشفت عن عورات لا تزال تعتمل في عقل ووجدان قطاع عريض من السلفيين.

ربما يكون ما جرى استفزازا متعمدا للأقباط في مصر ومحاولة لجرّ المجتمع إلى مشاكل ومناوشات طائفية، يفرضها المتشددون للظهور بعد انحسار الأضواء عنهم. لكن هذه النوعية من الأحداث تثبت أن جهود الحكومة التي تحرص على تعزيز قيم التجديد والعصرنة والحريات الفردية في واد، وتصرفات القوى الإسلامية في واد آخر.

لفت الانتباه

تعيد الوقائع التي حصلت في أوقات متقاربة وروايات متشابهة، النقاش حول النقاب الذي يتخذه البعض كوسيلة للتخفي وارتكاب جرائم والقيام باعتداءات على الآخرين، خاصة أن هناك مشروعات قوانين لمنعه في الأماكن العامة والمؤسسات المختلفة في الدولة قد تم رفضها من قبل نواب البرلمان المصري.

في منشور حقق الآلاف من المشاركات على صفحتها في “فيسبوك” روت فتاة تدعى نانسي مجدي تفاصيل الاعتداء عليها وقص شعرها عنوة على يد منقبات داخل عربة مترو مخصصة للسيدات قبل أن يلذن بالفرار.

ما كانت هذه الواقعة تلفت الانتباه لو كانت عرضية أو فردية، لكن تشابه السلوك رجح فرضية التخطيط والتدبير المسبق مع واقعة روتها من قبل صحافية بجريدة روز اليوسف اسمها رحمة سامي، عندما قامت سيدة منقبة بمحاولة قص شعرها بواسطة “كتر” (آلة حادة Cutter) لعدم ارتدائها الحجاب أثناء استقلالها عربة مترو خاصة بالسيدات.

وقائع متكررة

لا يوجد دين يسمح بالتطور وآخر يمنعه، فقد استفاد الغربيون من اصطدام مشروعهم التنويري في البداية بالأصولية المسيحية المتزمتة لينطلقوا في صنع حضارتهم ونزعتهم الإنسانية
لا يوجد دين يسمح بالتطور وآخر يمنعه، فقد استفاد الغربيون من اصطدام مشروعهم التنويري في البداية بالأصولية المسيحية المتزمتة لينطلقوا في صنع حضارتهم ونزعتهم الإنسانية

تكررت الواقعة بتفاصيل مشابهة قبل يومين مع فتاة قبطية ثالثة تدعى نور ميخائيل، وبمراجعة تاريخ هذه الحوادث تبين أنه خلال فترة وجيزة تم الإعلان عن حوالي عشر وقائع، تم نشر تفاصيل بعضها.

تكشف بعض الفيديوهات والتغريدات المتعلقة بسلوكيات اجتماعية على وسائل التواصل الاجتماعي تباينا هائلا بين تصورات سلفية وأصولية غارقة في أوهام الفضيلة والتدين الشكلي، مقابل وعي غربي تلقائي يركز جهده على الإنسان من جهة حاجته إلى من يشعره بإنسانيته وكرامته.

ترتبط هذه الممارسات المستفزة باختلاف التصورات والرؤى بشأن قيمة الأمر بالمعروف، وهي كما يروج لها دعاة التيار السلفي الذين اتجهوا لنشر فيديوهات مركزة ومختصرة على مواقع التواصل بعد منعهم من الظهور على الفضائيات المصرية، تدور حول معنى تغيير أي فعل غير أخلاقي من المنظور السلفي ولوم وتأنيب فاعله، مثل وضع الماكياج أو ارتداء ثياب ضيقة أو قصيرة أو الاستماع للأغاني والموسيقى.

يتكرر ادّعاء التفوق الإسلامي على الغرب بوصف هذا الأخير مجتمعا غير أخلاقي مع كل القصص التي يرويها دعاة التيار السلفي، وهو ما فعله الداعية السلفي محمود المصري، الذي انتشر له فيديو قبل أيام يزعم فيه موت فتاة متبرجة لم تستجب لنصائح شاب سلفي كان مضطرّا للركوب بجانبها في “ميكروباص”.

القصص المختصرة المصورة في الغرب والمنتشرة هي الأخرى على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي لا تهتم بهذا اللون من الخطاب والسلوكيات، إنما تُظهر المجتمعات الغربية ككيانات متراحمة ومتلاحمة إنسانيا، ومتفوقة في نشر قيم الخير وإشاعة الرحمة بين الناس، ما يوضح تصورا مغايرا لقيمة الأمر بالمعروف.

من تصدمه وقائع ملاحقة الفتيات السافرات ومحاولات قص شعورهن عنوة قد تفاجئه قصة مصورة لقاض غربي يتلمس الأعذار والمخارج لنساء وقعن تحت طائلة العقاب والمحاسبة القضائية.

وقد يشاهد شريطا قصيرا يحكي قصة واقعية لشباب وفتيات غربيات خططوا لكيفية تعويض امرأة مشردة ووحيدة أو كفالة رجل فقير، في حين لا ينتهي من تصفح حسابه الشخصي قبل أن يستمع إلى لعنات الدعاة السلفيين عندنا على الغرب “المنحل والمفكك أخلاقيا”.

تسعى الحكومة المصرية والتيار الذي ينشط في نشر مفاهيم التنوير والتجديد عبر وسائل الإعلام لمعالجة تراكم التناقضات والاختلالات الأخلاقية وتفاقمها في المجتمعات الإسلامية، والتي تعود إلى محاولات التيار السلفي لحجب الرؤية عن حقيقة الدين الإسلامي، ولأنه لا يوجد دين يسمح بالتطور وآخر يمنعه فقد أفاد غربيون اصطدم مشروعهم التنويري في البداية بالأصولية المسيحية المتزمتة عبر شجاعتهم ومكاشفتهم وصراحتهم لينطلقوا لصنع حضارتهم ونزعتهم الإنسانية.

وهم الأفضلية

سلفيو مصر يتعمدون استفزاز الأقباط لجرّ المجتمع إلى حروب تنطق باسم الدين
سلفيو مصر يتعمدون استفزاز الأقباط لجرّ المجتمع إلى حروب تنطق باسم الدين

تحجز المكابرة والخوف عندنا عملية كشف حقيقة الدين الإسلامي وموقفه من التقدم ليظل مفهوم الغالبية حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتمحور حول التصورات الأخلاقية ذات الطابع الجنسي.

والأفضلية المتوهمة التي يروجها دعاة السلفية بغرض الانتصار لرؤيتهم القاصرة للتغيير المجتمعي ليست سوى قناع زائف يحول دون إدراك مدى ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية من جهود لحيازة التقدم ووسائل الرفاهية.

ويحاول السلفيون تعويض شعورهم بالدونية أمام قيم الدول المتقدمة في كل المجالات بمزاعم الاستعلاء الديني والتفوق الأخلاقي، رفضا للاعتراف بمنجزات الآخر على المستوى الإنساني والحضاري، وتمسكا بدعاوى تميز وتفوق وهمية.

لا صحة لتلك التفسيرات العنصرية التي تريد إخراج العرب من جلدهم أو من دينهم كي يصبحوا حضاريين تحركهم النزعة الإنسانية، كما يزعم السلفيون، والفارق أن مشروع التنوير قد تم استكماله وإتمامه والبناء عليه في أوروبا عبر جهود جماعية أفرزت هذه الحالة من التفوق الحضاري والسمو الإنساني، في حين لم يستكمل المشروع في الحالة الإسلامية، حيث يتم غلق باب الاجتهاد والتجديد بعد محاولات فتحه، علاوة على أن التجديد يجري عبر جهود فردية مستهدفة باستمرار بالملاحقة والتضييق والتشويه.

توصل الإمام الراحل محمد عبده مبكرا إلى صياغة رؤية إسلامية كفيلة بترجمة مبادئ الإسلام ومفاهيمه إلى أخلاقيات منتجة للتعايش والحس المشترك للمواطنة والتكافل الإنساني والحرص على المصلحة العامة، ومحاربة الفساد والرشوة والكذب والنفاق الاجتماعي.

ورأى أن الدين لا يحتاج إلى سلطة تحميه ولا إلى جماعة سياسية تدافع عنه، وأن الإيمان لا يحتاج إلى حماية من أحد، فهو شأن من شؤون القلب والضمير وليس هبة من أحد، سواء كان عالما أو فقيها.

طريق الخروج من نفق التخلف يبدأ بفتح باب الاجتهاد والتجديد وعدم السماح بغلقه
طريق الخروج من نفق التخلف يبدأ بفتح باب الاجتهاد والتجديد وعدم السماح بغلقه

وتعد أفضل إنجازات محمد عبده الإصلاحية أنه وظف النهي عن المنكر لرفض الوساطة والسلطة الدينية، إذ ليس في الإسلام ما يسمى عند القوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه، ونجح في تحويل قيمة الأمر بالمعروف من أداة لتبرير العنف والإكراه وإهدار الطاقات في صراع مجتمعي وهمي لا طائل من ورائه، إلى آلية للتربية والتعليم والتنوير والتثقيف والإصلاح الاجتماعي، عبر تهذيب الأخلاق ومحو أمية الشعوب وإيقاظ الوعي وإنارة الضمائر وتعزيز القيم المستقبلية وحرية الاختيار والإبداع.

لقد تمّ الانقلاب على هذا المسار الإصلاحي في ما يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من المفاهيم، بجهود التيار الأصولي والجماعات السلفية فانفصلت الأخلاق والمدنية عن الدين، ونشط من سعى لجعل المسلمين لا يملكون دينا بل الدين هو الذي يتملكهم، بأن تصبح القيم الأخلاقية الجماعية الواحدة هي السائدة على حساب قيم الفرد والمواطن الحر، ليتحول الطقوسي إلى عرف وتُغلّ الروح الإسلامية التي إن لم تجد من الفقهاء والجماعات الدينية والمتطوعين من الشعب من يقمعها فإنها تقمع نفسها بنفسها.

لم ينتقل الدين من وقتها من ملكية جماعات ومؤسسات تفرض وصايتها باسمه إلى مسؤولية أفراد المجتمع، بحيث يصبح كل إنسان حرّا في تدينه وفي التعبير عن هذا التدين، متحررا من النفاق الاجتماعي الذي رعته جماعات توظف شعارات الإسلام ومفاهيمه لمصالحها السياسية على حساب الفهم الصحيح والمنطقي للقيم وللمبادئ.

منذ كتب الفيلسوف المصري الراحل زكي نجيب محمود كتابه “جنة العبيط” في أربعينات القرن الماضي والغالبية تبدو سعيدة وراضية بأوضاعها المتخلفة، وقانعة بخدر لذة إظهار التفوق في القضايا الجنسية باعتبارنا أكثر شرفا وفضيلة، لا يزال أغلب المسلمين يعتقدون أن الغرب “خلاعة ومجون ورذيلة وإفك”، وأن التحري في شعر المرأة فلا يغادره غطاء الرأس هو التمظهر الأهم للأخلاق، وما وصل إليه الغربيون من حضارة ليس بالشيء الخطير والمعجز، فالمسلمون لديهم علماء بارعون في قراءة الكف وحساب النجوم وتفسير الأحلام.

يبدأ طريق الخروج من نفق التخلف بفتح باب الاجتهاد والتجديد وعدم السماح بغلقه وإدراك مدى التفوق الحضاري والإنساني، حيث ينشر الغرب المعروف بمفهومه الواسع الذي يفيض على الفقراء والضعفاء بالعطايا والمنح، ويبدعون في كل مجالات الحياة بما يضمن تطويرها وتمتع الإنسان بها.

وتتحقق قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعليا مع رسوخ قيم الصدق والإتقان والعمل والحرية، والمعروف الأكبر هو تحقيق الكرامة الإنسانية وما أنجزه الغرب من خلال التفوق العلمي والمعرفي والمادي الذي أدى إلى ارتفاع هائل في مستويات الرفاهية، وهو الأمر المفقود في المجتمعات العربية والإسلامية التي ينصبّ همهما في أخلاق الجنس والشكل.

12