معاداة السامية تضرب شرعية احتجاجات السترات الصفراء في مقتل

الفيلسوف الفرنسي لم يكن ينوي تقديم شكوى، ويرى أنه ليس "ضحية ولا بطلا"، رغم تقديره بأن بعض من هاجموه كانوا مستعدين لضربه.
الاثنين 2019/02/18
شعارات تنزاح نحو التطرف

لا شيء يمكن أن يضرب شرعية مظاهرات الصفراء في فرنسا أكثر من جنوحها من خلال شعاراتها، إلى العنصرية أو الكراهية، وهو جنوح يمكن أن يضرب مصداقيتها وشرعية مطالبها أكثر من تُهم التخريب والتسبّب في تدهور الاقتصاد التي تلجأ إليها الحكومة للتقليل من شعبية التحركات، ذلك أن ارتباط تلك التظاهرات او بعضها بالكراهية أو بالعنصرية هو وحده ما يقلّل من التأييد الشعبي الذي حظيت به التظاهرات طيلة أسابيع من اندلاعها.

باريس – أعلنت النيابة العامة في باريس الأحد أنها فتحت تحقيقا بشأن إهانات معادية للسامية وجهت السبت إلى الأكاديمي الفرنسي آلان فينكيلكراوت، على هامش تظاهرة لحركة “السترات الصفراء” في العاصمة الفرنسية.

هذا التحقيق الأولّي فُتح إثر “إهانة على خلفية الأصل، الإثنية، الأمة، العرق، والدين، مكتوبة، مصورة أو عبر التواصل الإلكتروني”، وفق تصريح النيابة العامة.

وأكد الفيلسوف الفرنسي آلان فينكيلكراوت من جهته أنه لم يكن ينوي تقديم شكوى. ورأى أنه ليس “ضحية ولا بطلا”، رغم تقديره بأن بعض من هاجموه كانوا مستعدين لضربه.

ويشار إلى بعض المتظاهرين في باريس هتفوا، كما ظهر في فيديو نشر على موقع ياهو، متوجهين إلى الأكاديمي والفيلسوف “ارحل، صهيوني قذر” و”نحن الشعب” و”فرنسا لنا”. وفي شريط آخر نشره صحافي مستقل، يمكن رؤية قوات حفظ الأمن تتدخل لحماية الفيلسوف.

وقال فينكيلكراوت الأحد وفق صحيفة لو جورنال دو ديمانش، “شعرت بكراهية مطلقة، وللأسف ليست هذه المرة الأولى”، متابعا بحسب الصحيفة “كنت سأشعر بالخوف لولا وجود قوات الأمن، لحسن الحظ أنهم كانوا حاضرين”. وشدّد أيضا على أن المتظاهرين الآخرين من “السترات الصفراء” لم يظهروا عداء تجاهه.

ويقدّم فينكيلكراوت نفسه على أنه “مدافع شرس عن الهوية الوطنية”، ويشكّل موضوع جدلٍ في الإعلام الفرنسي، ويصنّفه منتقدوه على أنه من “التيار الليبرالي المحافظ الجديد” رغم أنه يساري الانتماء.

مسؤولون حكوميون يرجحون أن يكون اليسار المتطرّف أو اليمين المتطرّف وراء الأعمال المعادية للسامية بعد تسلل أنصارهم في احتجاجات السبت

وأثار آلان فينكيلكراوت جدلا في الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية، بكتابه الذي أصدره في العام 2013 “الهوية الحزينة”، والذي اعترض فيه على تحوّل فرنسا إلى مجتمع واعد بتجاوزه القومية وبتعدده الثقافي. وقال إنه “علينا أن نتذكر قولة جوليان فرويند ليس نحن من يحدّد العدو. العدو هو الذي يحدّدنا.

 والحال أن هذا العدو يعلن عن نفسه جهارا، في حين نكتفي نحن بالقيام بتظاهرات للتعبير عن صداقتنا له واحترامنا له. وقد أعلن الأصوليون الإسلاميون المتطرفون الحرب على من يسمّونهم الصليبيين. لذا علينا أن ندرك فداحة الخطر المتربّص بنا. وربما يعني هذا أن التنوّع الثقافي الذي نعيشه في الوقت الراهن، لا يعدو أن يكون وهما”.

ورحّب المفكر في البداية بحركة “السترات الصفراء” قبل أن ينتقد ما تحوّلت إليه. ولذلك قال “لم أعد أدعم التظاهرات، باتت سخيفة، إنها حركة لم تعد تعلم متى عليها أن تتوقف. لكن كان هناك انتفاضة كرامة عند أشخاص نسيناهم وعاملناهم بازدراء (…) وهم يطلبون العيش بكرامة من وظائفهم”.

وأثار هذا الحادث موجة من التنديدات ومن رسائل الدعم للمفكّر، أكثرها استنكر الطابع المعادي للسامية للإهانات. ومن بين المندّدين، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

حيث قال ماكرون على تويتر “ابن مهاجرين بولنديين بات أكاديميا فرنسيا، آلان فينكيلكراوت ليس فقط رجل معرفة بارزا، لكنّه أيضا رمزٌ لما تسمح به هذه الجمهورية لكل واحد منّا”، مضيفا أن “الإهانات المعادية للسامية التي تعرّض لها هي إنكار مطلق لكلّ ما نمثله ولكل ما يجعلنا أمةً عظيمة”.

وتجدر الإشارة إلى أن تغريدات الرئيس كانت ضمن مجموعة من التغريدات التي كتبها أعضاء في الحكومة، حيث شجب وزير الداخلية كريستوف كاستانر “موجة الكراهية الصرفة”، قائلاً إنها “الكراهية الصرفة التي قطعها فقط تدخل الشرطة، رؤية مثل هذا المشهد في باريس في العام 2019 ببساطة لا يحتمل. لقد تحدثت مع آلان فينكيلكراوت لتأكيد دعمي المطلق له”. وأضاف أن “الكراهية هي وحش كريه يتربص في شوارع باريس، أولئك الذين قاموا بالإهانة وجوههم مكشوفة، آمل أن يتمّ التعرّف عليهم ومحاكمتهم وإدانتهم بشدة”.

وكان الرئيس ماكرون قد أدان الأربعاء الماضي، أي قبل حادثة فينكيلكراوت، ما وصفه بالزيادة غير المقبولة للأعمال المعادية للسامية وخطاب الكراهية في فرنسا، وربط هذا الارتفاع بالتظاهرات المناهضة لحكومته.

Thumbnail

وأوضح المتحدث باسم الحكومة بنجامين غريفو، إن ماكرون قال للوزراء خلال جلسة اجتماع الحكومة “معاداة السامية إنكار للجمهورية، كما أن مهاجمة مؤسسات أو مسؤولين منتخبين هو أيضا إنكار للجمهورية”.

يذكر أن باريس كانت قد شهدت، قبل أيام من هذا الاجتماع، سلسلة أعمال معادية للسامية وأعمال تخريب في باريس وضواحيها، بما في ذلك تدنيس نصب تذكاري لشاب يهودي تم تعذيبه حتى الموت في 2006، واعتبر ماكرون أن هذه الحوادث هي فصل جديد مرتبط بتحرك السترات الصفراء المناهض للحكومة، وفق المتحدث الحكومي.

وتزامنت الحوادث المعادية للسامية مع يوم جديد من الاحتجاجات ضد ماكرون وسياساته.

كما رجّح مسؤولون حكوميون أن يكون اليسار المتطرّف أو اليمين المتطرّف وراء الأعمال المعادية للسامية بعد تسلل أنصارهم في احتجاجات السبت، لكنهم لم يقدّموا دليلا مباشرا على ذلك.

وتجمّع 300 شخص الأربعاء في موقع النصب التذكاري في سانت جونوفياف دي بوا خارج باريس في ذكرى قتل إيلان حليمي (23 عاما)، الذي تعرّض للتخريب، وزرع مسؤولون بينهم السفير الإسرائيلي في فرنسا أشجارا بعد قيام أشخاص مجهولين بقطع شجرتيْن في نهاية الأسبوع.

13