معادلات الخيال في الكتابة

الاستثناء في الخيال هو الاستثناء في الكتابة لإعادة إنتاجها وفق فائقية الخيال المدرّب على الجنوح إلى آفاق ساحرة في خلق المعادلات الموضوعية الأكثر فنا وبقاء.
الخميس 2018/05/10
الواقع عندما يصبح فنا

بين الواقع والخيال مسافة طويلة وماراثون شاسع يتوجب على الكاتب أن يقطعه حتى آخر الأنفاس، تحقيقا لغاية فنية وليس غيرها، حتى لو لم تتلاءم مع الواقع كثيرا أو تتجاوزه أو تقفز على معطياته الكثيرة، فالخيال أعظم ما يمتلكه الإنسان بتعبير بورخيس، ونقطة الافتراق عن الواقع لا تعني إقصاء الواقع، فما من خيال إلا تكثيف للواقع وخميرته الفعلية، فالخيال لا يكون مجردا من دون خلفيات واقعية، إنما هو واقع متراكم إلى الحد الذي خرج من طوره الطبيعي وجنح إلى مستوى أكثر دلالة وعمقا لتوصيف الكثير من الزوايا الحياتية وأكثرها تعقيدا وصعوبة.

وفي ميدان الكتابة يتهيأ الواقع ليصبح مادة فنية ليس بالضرورة استنساخه أو مطابقته، فهذا أمر قديم تجاوزته المعطيات الفنية وأصبحت الكتابة الإبداعية ضربا من التجريب وقفزا على مسلّمات بديهية لم تعد كافية لتوثيق الواقع إلا بالخيال الفني القادر على أن يكوّن من الواقع واقعا آخر له قدرة البقاء الضامن للفن.

وهذا أمر يدركه المبدعون كثيرا، فإن كان الشعر أولى بهذا التطبيق كونه مادة لا زمنية وصورية وحلمية، فإن السرد في تطبيقاته المعاصرة وفي واقعياته السحرية والعجائبية ضرب في موضوعة الخيال كثيرا حينما استحوذ على الواقع بطريقته وحوّل المادة الواقعية إلى خيال صرف في عجائبيات السحر الواقعي وتكويناته المتداخلة، ولعلنا نقرأ مثل هذا في ما أنتجه ساردو أميركا اللاتينية من روايات لها قدرة الوصف الغرائبية والعجائبية عندما أخذت مادة الواقع وعجنته في مختبراتها الفنية في أعاجيب السرد الروائي وقوّته وفي مخيلة استثنائية لتقويض الممكن من الأحداث وإعطائها فسحة أخرى من التصورات الفنية التي تخرج عن سياقات الواقع القارّة، لتدخل عناصرها في مختبر جديد اسمه الفن، لذلك فالخيال طاقة خلاقة في تثوير عناصر الفن والواقع معا ومزجهما في سردية واحدة، بتنمية الأفكار التي تكوّن حاضنة طبيعية لها في هذا العالم المبتكر.

يشير النقد في سردياته التحليلية إلى أن الكاتب س ليس لديه رصيد من الأفكار، بينما الكاتب ص لديه خزين منها، لكن س أكثر قدرة من ص فنيا وأكثر استيعابا لسرديته لذلك تأتي متانة كتابته أكثر إشراقا وقوة بسبب الخيال الذي يلعب دورا استثنائيا في تجسيم الواقع وتجسيده على نحو أكثر صلة بالإبداع، ونعتقد أن تراكم الخبرات الفنية يكوّن لدى الكاتب أكثر من وسيلة فنية ليكون أكثر إقناعا في تلبية الشروط الموضوعية لكتاباته؛ بينما الآخر صاحب الأفكار الميدانية والواقعية تعوزه خبرة الفن حتى لو امتلك الكثير من عناصر الواقع وإشكالياته وموضوعاته الكثيرة.

 لذلك يردد منظّرو النقد على تقسيم وقائع الخيال إلى صيغ كثيرة، ومنها الخيال الفائق الذي راود ماركيز وبورخيس ويوسا وإيزابيل الليندي كثيرا في عجائبياتهم الروائية حينما تخلوا عن الاجتماعي العادي وأدخلوا السرد في لعبة خيالية فائقة الندرة، هاربين من الكتابات العارضة إلى الفنيات مضمونة البقاء، لإشراك القارئ في متاهات السرد وإنشاء علاقات غير اعتيادية؛ مدهشة وساحرة وخالدة.

أي عملوا على إدخال اللغة في خيال القراءة قبل الكتابة بعقلية أكثر من ناضجة حينما وجدوا أن كلاسيكيات السرد العالمي لا تفي كثيرا لسحر القارئ وتدوين انفعالاته في الكتابات الإبداعية؛ بينما بقي صندوق الواقع يغدق الكثير من الرؤى والجماليات بأوضاعها الطبيعية، لكن سحر الكتابة في خيالها الفائق المتدفق هو ما يجعل من الواقع محفظة متراكمة الأحداث والعجائب السحرية التي تبقى تحت سلطة الفن الراقي.

الاستثناء في الخيال هو الاستثناء في الكتابة لإعادة إنتاجها وفق فائقية الخيال المدرّب على الجنوح إلى آفاق ساحرة في خلق المعادلات الموضوعية الأكثر فنا وبقاء.

14