معادلة القوة والضعف عند المرأة

حب المرأة المخلص الصادق لرجل لا يستحق حبها، قوة في نظري، بغض النظر عن النتائج المترتبة عليه.
الخميس 2018/08/30
فريدا كالو أيقونة الحركة النسوية

قرأت نقاشا على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) حول من هي المرأة القوية: هل هي تلك التي تصبر على الظلم والمعاناة وتحب بلا قيد أو شرط مهما صادفت من أَذًى وهجران ونكران للجميل؟ أم هي القادرة على أخذ قرار الانسحاب من علاقة مستنزفة لطاقتها ومضرة بحياتها؟

النماذج الأولى كثيرة، من بينها شخصيات معروفة عانت من علاقات معقدة وسوء معاملة لكنها أصرت على البقاء، من بينها على سبيل المثال الرسامة المكسيكية المعروفة فريدا كالو التي شقيت كثيرا في علاقتها بالرسام دييغو ريفيرا، وتعرضت لأذى لفظي وجسدي منه، فضلا عن خيانته المتكررة لها، إلا أن كل ذلك لم يدفعها إلى تركه، بل بالعكس، كانت كلما تركته عادت إليه باندفاع أقوى. وهناك أيضا مثال الراقصة المصرية سامية جمال التي أحبت الممثل رشدي أباظة ولم تتخل عنه أبدا، رغم أنه عرف عليها الكثير من النساء، وكان يعود إليها بعد كل علاقة فاشلة ليجدها في انتظاره.

نموذجان لامرأتين قبلتا بالإهانة والعنف والخيانة والهجران وسوء المعاملة، ولم تسعيا إلى وضع حد لحياة كهذه رغم قدرتهما على ذلك.

فما الذي يدفع رسامة مشهورة عالميا إلى القبول بهكذا وضع؟ وما الذي يجعل راقصة محبوبة من ملايين الرجال تقبل بأن يخونها حبيبها عشرات المرات، وتفتح له حضنها مجددا بعد كل خيانة؟ والسؤال الأهم: هل هذا التصرف دليل قوة أم ضعف؟

المؤكد أن هاتين المرأتين كانتا عاشقتين، وأن الحب هو ما جعلهما تقبلان بوضع مهين كهذا، فالحب سلطان كما نعرف، إذا أحكم قبضته على قلب أحدهم أو إحداهن حوله إلى حطام. لكن حتى العشق لا يبرر الانسحاق ونكران الذات إلى هذه الدرجة؟ أليس كذلك؟ لقد كانتا ضعيفتين جدا أمام المعشوق لدرجة سمحت له بالتمادي في توجيه الإهانة وتكرارها دون خوف من العواقب. ضعيفتان لدرجة الإساءة إلى النفس. فالشخص الذي يقبل بوضع ضد رغبته يدخل في معركة مع نفسه، وهي أشد المعارك قسوة وأكثرها إيلاما.

لكن ماذا عن هذه القدرة الخارقة على الحب وعلى التسامح والعطاء؟ أليس في ذلك قوة لا تعادلها قوة؟ وماذا عن الضعف الذي يتحول بمجرد بلوغه أكثر مستوياته انحدارا إلى نقيضه: قوة جبارة، وطاقة هائلة ليس بمقدور أي شخص أن يمتلكها.

امرأتان أحبتا بصدق شديد، بقوة، وعطاء بلا حد، بقلب واسع جدا، قادر على تحمل الأذى والتصالح معه، والاستمتاع مع ذلك بهذا الحب القليل، القاسي. شيء يشبه أن تكون لك قدم واحدة ومع ذلك تشارك في سباق للركض، أو أن تكون عاجزا عن النطق ولكنك لا تتوقف عن الدندنة.

هل كان يجب أن تتخليا عن هذا الحب؟ أنا أقول “لا”. ليس من أجل ما حصلتا عليه، فهو قليل وشحيح ولا يستحق التضحية، ولكن من أجل ما كانتا قادرتين على عطائه. الحب ليس ما نأخذ، بل ما نعطي. ليس ما هو موجود في قلوب الآخرين من أجلنا، بل ما هو موجود في قلوبنا من أجلهم.

حب المرأة المخلص الصادق لرجل لا يستحق حبها، قوة في نظري، بغض النظر عن النتائج المترتبة عليه. قد تخسر كثيرا: نفسها، شهرتها، وفي أحيان كثيرة حياتها (سيلفيا بلاث) لكنها خسارة الرابح في معركة صادقة ومن أجل هدف حقيقي يشبه قلبه.

مع الحب، بكل خساراته، مع الصدق وإن قاد إلى الموت. ماذا نفعل بعقل متقد يقظ متزن، يحسب الخسارات والأرباح، ويقدر المخاطر ويتحسب لكل شيء؟ حياة كهذه لا تليق إلا بمن رغب أن يظل عائما على السطح، غافلا عن كنوز الجوهر ودرره. العميقون، الصادقون، المجازفون، سيقبلون بالذهاب في رحلة أعمق، حتى وإن لم يعودوا منها أبدا. بوكوفسكي يقول “ابحث عما تحبه ودعه يقتلك”.

21