معادلة المياه والسلام قد تنعش الشرق الأوسط

الجمعة 2014/01/24

مضت سنة التعاون في مجال المياه التي حددتها الأمم المتحدة. وفي وقت قريب، ستنتهي فترة العقد التي خصصتها الأمم المتحدة تحت عنوان “مياه من أجل الحياة” في العام 2015. لقد نجح اعتناء هذه المنظّمة بالمياه في لفت انتباه صانعي السياسات إلى هذا القطاع الدقيق والحساس في السنوات الأخيرة. وقد عمد هذا المسار بمعظمه إلى التركيز على محورية المياه في التنمية الاقتصادية والنظافة والصحة. إلا أنه يبقى ثمة غياب العزم على مناقشة الترابط المتبادل بين المياه والسلام.

لقد أضاع الشرق الأوسط العديد من فرص التقدّم، بفعل فشله في ملاحظة أهمية معادلة المياه والسلام. ففي يونيو العام 2010، كانت العلاقات بين الأردن ولبنان والعراق وسوريا وتركيا على أحسن ما يرام. إلا أن العراق كان مقيَّدا دستوريّا حيال الدخول في أية اتفاقية دولية، فيما شكّلت الدول الأربع الباقية مساحةَ تجارة حرّة مشترَكة. اشتملت المساحة تلك على التعاون في مجال الطاقة والتجارة والترانزيت والصناعة. فشهدت المنطقة اندماجا سريعا بين التجارة والاقتصادات القائمة. إلّا أنَّ هذه التجربة تلاشت مع بدء الأزمة السورية أوائل العام 2011.

وكانت ثمة حالة مشابهة في أميركا الوسطى في ثمانينات القرن الماضي، إذ كانت نيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس في حالة حرابة. إلا أنه مع انتخاب أوسكار آرياس رئيسا لكوستا ريكا، استطاع آرياس جمع قادة هذه الدول المتحاربة على طاولة السلام والاستقرار وعدم التدخّل في سياسات بعضها البعض. وفورا عقب خطة آرياس، دخلت حكومات أميركا الوسطى في اتفاقيات تعاون اقتصادي؛ على غرار ما فعلت دول الشرق الأوسط الأربع من الشروع في المساحة التجارية الحرة العام 2010. إلا أن دول أميركا الوسطى لم تكتفِ بالتعاون في موضوع التجارة، بل تعدّته إلى التعاون بإدارات مشترَكة لمصادر المياه في منطقتها. أدى هذا إلى تمتين عملية السلام. فاليوم ما عادت مخاطر الحرب قائمة بين دول أميركا الوسطى. في غرب أفريقيا؛ عاشت السنغال والدول المجاورة تجربة مماثِلة. فقد كان ثمة نزاع حول الحدود بين السنغال وغينيا. إلا أن ذلك النزاع اختفى مع انضمام غينيا إلى منظّمة حوض نهر السنغال. بل إن منظّمة حوض نهر السنغال كانت فعّالة كذلك في حل أزمات إثـنية بين السنغال وموريتانيا.

يوضح الدليل التجريبي في أميركا الجنوبية وجنوب أفريقيا وجنوب آسيا أنَّ المياه والسلام مترابطان. فعندما تقود المياه سبيل السلام وعلاقات الجوار، فإنَّ الدول المتجاورة على ضفاف المياه ترتقي إلى مستويات أكثر عُـلوّا، من تعاون وصداقة، ممّا قد يخيّـل إليها ما لم تكن المياه سائدة! فمجرّد تحرير التجارة ليس بالأمر الكافي لتمتين العلاقات الودية بين الدول المتجاورة، إذ من السهولة العدول عنه. ولأن المياه هي نواة أنظمة الحياة، فإنَّ قرارا للتعاون في هذا القطاع له مدلولاته على صعيد الكهرباء والزراعة والتمدّن والمعيشة والهجرة والاستقرار السياسي.

وبالنظر إلى ما كان؛ فإذا أضافت الأردن ولبنان وسوريا وتركيا دولة واحدة وقطاعا واحدا إلى نطاقها التعاوني، لكانت وصلت بالعملية التعاونية إلى صميم اقتصاداتها وكياناتها، ولساعد ذلك في بناء ثقة متبادَلة بنمط جديّ، أو حتى جعـلَ المفاضلات بين المياه قضايا مهمة كمسارات الترانزيت والكهرباء المائية والاستقرار السياسي، ممكنة.

في هذه الحالة؛ لاعتمدت تركيا مقاربة مختلفة تماما لعلاقتها بسوريا والعراق. كذلك؛ لوجدت سوريا ضرورة في تقييم علاقتها، لا مع العراق وتركيا فحسب، بل مع الأردن ولبنان، على نحو سواء. كان هذا لِـيؤدّي إلى استقرار سياسي في لبنان، وحلّ لأزمة نهر اليرموك مع الأردن. كان ذلك فرصة لبناء مستقبل غير الذي بات اليوم، وقد أضاعتها المنطقة!

يوضح تقرير جديد، أعدته مجموعة الاستبصار الاستراتيجي (مركز دراسات؛ مركزه في الهند)، أن أية دولتين داخلتينِ في تعاون نشِط في مجال المياه لا تخوضان حربا ضدّ بعضهما البعض أبدا؛ مهما تكن أسباب الحرب، أكانت أيديولوجية أم متعلّقة بالحدود أم تاريخية أم اقتصادية. أوروبا تدرك هذا؛ لذا نرى الاندماج الاقتصادي في أوروبا مصحوبا بإدارة مدمجة لمصادر المياه. كذلك؛ ما إن وضعت حروب البلقان أوزارها العامَ 1999، ولاحت بارقة أمل لاحتمال سلام، قرّرت الدول الناشئة عن تفكّك يوغوسلافيا المبادرة بالتعاون في مجال إدارة نهر سافا. وبعد انتهاء الحرب الباردة؛ كان أحدُ أول القرارات التي اتخذتها دول شرق أوروبا الانضمامَ إلى لجنة نهر الدانوب.

لا يزال قادة دول الشرق الأوسط قادرين على بدء إطار تعاونيّ حقيقيّ متين، إذا ما لاحظوا الترابط – المعادلة الصلبة- بين المياه والسلام. حاليّا؛ ثمة فرصة سانحة في العلاقة بين العراق وتركيا، بمعزل عن التحديات الداخلية المعرقِلة بين الدولتين. فإذا شرعت هاتان الحكومتان في إجراءات بناء الثقة، حول نهرَي دجلة والفرات، يمكنهما خلق فرصة ضمّ سوريا إلى إطارهما التعاونيّ، في مرحلة لاحقة. وسيكون مهمّا كذلك ضمّ الأردن ولبنان اللذينِ يتشاركان أنهرا مهمّة مع سوريا. فإذا برزَت فعلا آلية تعاون إقليمي بين العراق والأردن ولبنان وتركيا، من أجل مصادر المياه؛ فسيكون هذا الأمر، تدريجيّا، فعّالا في إحداث سلام شامل على مدى الشرق الأوسط.

ترجمة: هادي نعمة

الماس فتح الله هي المدير التنفيذي لمجموعة الاستشراف الاستراتيجي، مومباي، الهند

6