معادلة صعبة وسؤال مضلل

الثلاثاء 2017/11/21
الحرية والأمان ليسا معادلة مستحيلة

يضع الإرهاب العالمي جميع دول العالم اليوم أمام تحدّ كبير: كيف يمكن الانخراط في الحرب على الإرهاب بالحزم المطلوب، وإحراز النصر المأمول على قوى الفوضى والفتنة والدمار، لكن من غير التفريط في مكتسبات الديمقراطية، ومن دون خرق المعايير الدولية لحقوق الإنسان؟

نتذكر بالمناسبة كيف أثّرت تداعيات الحادي عشر من سبتمبر على جودة الديمقراطية ومستوى الحريات في أرض الحريات، أميركا، ولو لبعض الوقت، وذلك من خلال الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها حكومة جورج بوش، إلى الحد الذي خشي فيه مثقفون أميركيون كثيرون من سقوط أميركا في براثن نظام حكم شمولي جديد شبيه بالأنظمة الفاشية. لا نقصد الإشارة إلى مآسي غوانتانامو وأبو غريب وحسب، وإنما نقصد الإشارة أيضا إلى القوانين التي كانت تمس بمستوى الحريات الشخصية في الحياة اليومية للمواطنين، وذلك بدعوى الحرب على الإرهاب، من قبيل قانون باتريوت سيء الذكر على سبيل الذكر.

المعضلة أن الحرب على الإرهاب هي حرب بالأساس، حرب بالأسلحة الخفيفة أحيانا، أو الثقيلة أحيانا أخرى، أو بوسائل أخرى في بعض الأحيان، لكنها حرب قبل كل شيء، حرب فرضها الإرهابيون بكل تأكيد لكنها حرب في الحساب الأخير. وبلا شك في زمن الحرب قد تتغير الكثير من المعايير. لكن المؤكد أيضا أن روح الحداثة تتجه نحو حماية أكبر قدر ممكن من الكرامة الإنسانية حتى في زمن استعار الحرب واشتداد القتال، وذلك من خلال ما يصطلح عليه اليوم باسم “جرائم الحرب” على سبيل المثال. وبلا شك فنحن هنا أمام مفهوم جديد أبدعه وعي مفعم بمسألة الكرامة الإنسانية.

لعل التحدي مطروح على العالم بأكمله، لكنه مطروح بصفة أكبر على مجتمعات العالم الإسلامي، ولا سيما منها المجتمعات التي تجد نفسها على خطوط التماس مع الإرهاب، هذا الأخير الذي قد يكون مستوطنا داخل البلد كما هو حال العراق، أو قد يكون متربصا على الحدود كما الحال في تونس.

ليس تقليلا ولا استهتارا بقيمة الحريات في حياة الأفراد والمجتمعات، لكنها لا تتصدر سلم الأولويات وفق غالبية نظريات علم النفس وعلم الاجتماع

طبعا، في غياب ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، قد نجد شعار حقوق الإنسان يُرفع للمزايدة والابتزاز في بعض الأحيان. لذلك يسهل أن يتذرع المتطرفون بحقوق الإنسان، لا سيما حين يستبدلون الحريات الإنسانية المصيرية (التنمية، المساواة، المشاركة السياسية، إلخ) بحريات جزئية وصورية (حرية ارتداء النقاب، حرية ارتداء البرقع، حرية ارتداء البوركيني، حرية إغلاق الشوارع لصلاة الجماعة مع مكبرات صوت تصدع طيلة الصلاة، إلخ). إن الذي يغفله أو يتغافله المزايدون بالحريات الجزئية والصورية هو أن حقوق الإنسان نسق كامل متكامل غايته أن يكون المواطن فعّالا في تحقيق التنمية البشرية بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو لا يشمل بأي حال جانبا محددا على حساب سائر الجوانب الأخرى.

إن أساس حقوق الإنسان هو الإنسان كشخص، كذات متفردة، واعية بذاتها، ومستقلة عن وصاية الجماعة التي ينتمي إليها مصادفة. إنها حقوق كونية مشتركة في آخر المطاف. لذلك نجد كلمة الشخص هي المفهوم المحوري في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إن الشخص كذات واعية بذاتها لا يحتكم إلى أي أوامر إلا الأوامر الصادرة عن ضميره الأخلاقي.

وإذا كانت تونس على سبيل المثال تشهد تحوّلا ديمقراطيا في ظل مخاطر الإرهاب المتنامية، فهذا يعني أن التحدي المطروح على تونس أشد وطأة: كيف نضمن انتقالا ديمقراطيا آمنا في ظل المخاطر الأمنية المحدقة؟ يقال السؤال الجيد هو نصف الجواب. لذلك نحتاج إلى صياغة جيدة للسؤال: كيف يمكن للدولة أن توازن بين القوة والحق، بين الأمن والحرية، بين هيبة الدولة وحرية الإنسان؟

يجب أن ننطلق من أنّ الإجابة غير متوفرة، أو ليس بعد. لكن رغم ذلك ثمة شيء مؤكد، وهو أن روح العصر تتجه نحو كسب الرهان ولو بوجود تعثّرات في الطريق. لقد كانت تداعيات اعتداءات 11 سبتمبر أكبر فرصة لنقاش لا يزال يعتمل داخل الفكر الغربي: كيف نقضي على الإرهاب دون أن نقضي على الحريات الشخصية؟

هنا يتعلق الأمر بالتفاصيل من قبيل التدابير الأمنية والإجراءات الاستخباراتية. لكن فوق كل ذلك نحتاج إلى تعبئة مجتمعاتنا لكي يحقق أكبر قدر ممكن من الشفافية والانفتاح والنقاش العمومي الواضح، ذلك أن المجتمعات المغلقة تمثل بيئات حاضنة للتعصب والتشدد والانغلاق.

دور الدولة احتكار العنف كما تقول أبرز النظريات السياسية اليوم. وتحتاج الدولة في بعض الحالات القصوى إلى استعمال أقصى درجات العنف. لكن هناك شيء مؤكد في كل الأحوال: أساس مشروعية الدولة هو حماية حقوق الناس. عندما تفرّط الدولة في حماية الحقوق تفقد مشروعية احتكار العنف، ومن ثمة تفقد مشروعيتها أيضا.

أخيرا، ثمة شيء لا يجب أن ننساه، المحافظة على قَدْر معين من الحريات تقتضي بالضرورة القُدرة على تحمل قَدْر معيّن من المخاطر. ذلك أن صفر مخاطر تعني صفر حرية.

12