معادلة ماكرون المستحيلة: فرنسا حليفة لطهران ولواشنطن

طموح ماكرون للعب دور الوسيط الدبلوماسي الذي يبني العلاقات مع كل الدول، مع الحلفاء والأعداء، وفي كل الأوقات والأحوال، لم يعد عليه بالنفع.
الجمعة 2018/05/11
قرار واشنطن يضع ماكرون في موقف لا يحسد عليه

بالرغم من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من اتفاق إيران النووي في 8 مايو، أجرى حليفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مكالمة هاتفية لنظيره الإيراني حسن روحاني، مؤكدا التزام الترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) بتنفيذ بنود الاتفاق، وأن الانسحاب الأميركي أحادي الجانب.

قبيل قرار الرئيس ترامب، لم تخل تصريحات ماكرون من التناقض حول موقفه من الاتفاق خلال رحلته المكوكية مع قادة العالم بتأييده للحفاظ على الاتفاقية، وتفهمه أسباب الانسحاب الأميركي، وتبنيه مبادرة تعديلات واسعة للاتفاق، ثم اقتراحه لفرض عقوبات دولية على إيران مع الإبقاء على الاتفاق.

حينما جلس الرئيس ماكرون مع مؤيدي اتفاق إيران النووي، كانت تصريحاته متناغمة ومنسجمة ومؤيدة لاستمرار الاتفاق، وأنه ضمانة للحفاظ على استقرار المنطقة، وأن الطرف الإيراني لن يجلس مرة أخرى على طاولة المفاوضات.

وعندما كان ماكرون يجلس مع حلفائه من الدول الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة والدول العربية، كانت تصريحاته في الاتجاه المعاكس. وتتعدد الأسباب التي تكرس لتلك التصريحات، بداية من رفضه لبنود اتفاق تصب في مصلحة إيران وحدها، وانزعاجه من التدخل الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، نهاية إلى زيادة وتيرة استفزازات إيران النووية المتمثلة في إنتاجها للصواريخ الباليستية.

قد تُفهم تصريحات ماكرون على أنها خديعة للطرفين سواء للمرحبين باستمرار الاتفاقية والمنسحب منها، لكن يجب فهم أسباب ما آل إليه الطرف الفرنسي في سياق تفاصيل توقيع فرنسا على الاتفاق، منذ البداية حتى الوقت الحالي، وتحت إطار صعود ماكرون كرئيس للبلاد.

قبيل توقيع اتفاق إيران النووي في يوليو 2015، كانت فرنسا من أشد المعارضين للمقترح النهائي له، وطالبت بتشديد إجراءات الرقابة الدولية، كما أصرت على إجبار إيران على التعليق الكامل لمفاعل إنتاج البلوتونيوم الذي يُستخدم في إنتاج الطاقة في بعض المفاعلات النووية كما في مفاعل مدينة آراك الذي يقع غرب وسط البلاد.

وشددت فرنسا على تخفيض مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. بالإضافة إلى ذلك، بدأت فرنسا سلسلة من العقوبات الشديدة من جانب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بهدف الضغط على نظام خامنئي والحد من طموحاته النووية.

لكن بمجرد توقيع الاتفاق، هرعت فرنسا إلى بناء علاقات دبلوماسية وتجارية مع إيران. ففي يناير عام 2016، زار الرئيس حسن روحاني باريس، وانتهى اللقاء بعقد صفقات في مجالات عدة كالصحة والزراعة والاتصالات والطيران والتنمية المستدامة.

وفي مايو من العام الماضي، انتُخب ماكرون رئيسا للفرنسيين، وارثا نفس منهج سلفه فرانسوا هولاند في دعمه الاتفاق إلى درجة أن ماكرون ربط تقدم العلاقات الفرنسية – الإيرانية بمدى الحفاظ على بنود الاتفاق. وسارعت الشركات الفرنسية إلى عقد الصفقات التجارية.

لكن بالرغم من تطوير ماكرون لعلاقات بناءة مع إيران داعيا المجتمع الدولي وحلفائه إلى عدم الانسحاب من الاتفاق، إلا أنه دائم الانتقاد لسلوك النظام الإيراني الذي يفتعل المشاكل بتدخلاته في المنطقة، بالتالي يحتاج الاتفاق إلى نوع من التحديث، محاولة لدرء الإثارات الإيرانية.

وفي سبتمبر 2017 أثناء مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أصبح موقف ماكرون جليا عندما صرح بأن الاتفاق غير كاف، كما أثار تساؤلات حول مستقبل إيران النووي، خصوصا مع انتهاء صلاحية الاتفاق في عام 2025.

ومع المظاهرات الحاشدة المناهضة للنظام القمعي في ديسمبر 2017 – يناير 2018، استنكر ماكرون ممارسات النظام مطالبا إيران بكفالة حرية التعبير وحرية التظاهر للمواطنين. وتعكس زيارات ماكرون لحلفائه في دول الخليج حرصه على علاقاته بهم.

وتمثل السعودية بالنسبة للشريك الفرنسي حصنا منيعا في مواجهة الإرهاب، وقوة عسكرية هامة في منطقة الشرق الأوسط، ولاعبا أساسيا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة ما يسمى بالدولة الإسلامية.

كما تدعم الرياض فرنسا عسكريا في بوركينا فاسو والنيجر والتشاد ومالي وموريتانيا لدحض المقاتلين الإسلاميين. بالتالي يعتبر ماكرون التعاون مع الشريك السعودي ضمانة للاستقرار. ويعتبر أيضا تصريحاته المهادنة بشأن ممارسات إيران ضمانة بألا تنشب الحرب فجأة، وكل الأمور تصبح خارج السيطرة.

طموح ماكرون للعب دور الوسيط الدبلوماسي الذي يبني العلاقات مع كل الدول، مع الحلفاء والأعداء، وفي كل الأوقات والأحوال، لم يعد عليه بالنفع. ورسالته الحيادية التي يزعم حملها لحماية مصالحه في السعودية وإيران معا لن تُجدي، بعدما تطور الموقف باختيار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي.

تسعى فرنسا إلى البحث عن مكان جديد لها في عالم سياسي متغير، لكن تشتت ماكرون وفريقه بإعلانهما عن مبادرات ضخمة، مع ضعف تطبيقها على أرض الواقع، يقلل من فرصها المحتملة.

التصريح بالدعم المطلق لاتفاق إيران النووي، ومحاولات الجلوس على طاولة المفاوضات وبناء جسور التعاون والحوار من ناحية، ثم تشجيع فرض عقوبات على إيران لرفضها المساومة على برنامج صواريخها الباليستية وزعزعتها للاستقرار في المنطقة من ناحية أخرى، تلك هي معادلة ماكرون الصعبة.

وبعد إعلان الرئيس ترامب فرض أقصى العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني، والدول التي ستتعاون معه، بتحديد مهلة للشركات والبنوك الأجنبية من ثلاثة إلى ستة أشهر لإنهاء جميع الروابط التجارية مع إيران،  لم يعد ماكرون يستطيع مسك العصا من المنتصف، ولن يتمكن من الوقوف وجها لوجه لمعاندة حليفه الأميركي الدائم.

6