معاذ الألوسي: معماري يكتب بالطابوق

الأحد 2017/07/09
نماذج من أعمال الفنان معاذ الألوسي: استلهام المعمار العراقي القديم

لأن الحنين يورث الألم فإن الفنان التشكيلي والمعماري العراقي المخضرم معاذ الألوسي يعيش ذاك الحنين وهذا الألم، ليبقى مشدودا بحبل السرة إلى بغداد التاريخ والحضارة و”الطابوق” وتراث معماري لا تخطئ تفرده العين الثاقبة.

وعن علاقته بالطابوق التي تبدو علاقة شغف تصل لحد الهاجس الفني، يقول الألوسي في حواره مع “العرب” إن أعماله في مجملها خلاصة شغف بواقع قائم “في طريقه إلى الزوال”، ويضيف “أسبغ علينا، نحن منتمي هذه المنطقة ومن خلال التراكم، هوية وشخصانية، أعتبرها مميزة ينبغي احترامها، وأحاول بإصرار الاستزادة من هذا التراكم، ساعيا ومحاولا الإضافة عليه”.

والعلة الهاجس ثم الغاية في منتوج الألوسي هي البحث عن الأصالة والهوية المميزة في الناتج المعماري والتخطيطي، حيث يعتقد برسوخ أنه عندما تسود هذه النظرة إلى العمارة كعمل حضاري لمكان ما ولزمان معين، يحدث الفعل والمستمر والمتوارث بجماله وأصالته، أي التسلسل دون انقطاع فعل السلف عن فعل الخلف بجماله وأصالته.

ولا يغيب عن بال المعماري العراقي خلال ما يزيد عن نصف قرن من العمل المعماري والتخطيطي والفني كون هذا الإيمان هو نمط عيش متمدن على المستوى الإنساني معاصر ومواكب، ويقول شارحا “أي أنا جزء من هذا الزمن وما يوفره من تقدم وتطور علمي، وأنا في نهل مستمر وتعلم واكتشاف لا ينتهي، لا نقل أو استنساخ فيه، ولا جمود وإنما تقص حي قائم يبحث ويحلل ويصوغ ويؤلف مقومات وجوده مع الوعي التام من خلال البحث عمّا يميزني عن غيري، كوني ابن المنطقة وبالتحديد ابن بغداد.

عيش وانتماء

لم يكن معاذ الألوسي مكتشف هذا التوجه، المدرسة، كما يقول، وإنما معماريو وأدباء وفنانو أميركا اللاتينية واليابان، حيث لهم هويتهم المميزة، معماريو العالم المتقدم لهم هويتهم، فالمدينة الألمانية تختلف عن الفرنسية في عمارتها الحديثة بسبب اختلاف قيم ونمط العيش المتحضر فيها، خلاف الريف الذي قد يكون متشابها في شمال أوروبا.

الكرخ أعاد الألوسي إلى الجذور والمنابع الأولى، بعد تجواله وتسكعه في دروب الغربة وصحارى الخليج، ليتذوق طعم وقيمة العودة إلى كنف الأم الحانية المعطاءة

ويقول الألوسي “إذن العيش والانتماء في كنف تراكم معرفي يمتد لما يزيد على آلاف السنين، لا بد وأن يحتويني فكريا ووجدانيا، بالكامل، أتساءل كيف ألاّ أكون وفيا لهذا النتاج الفذ، وهو على المستوى الإنساني عامة، أستلهمه وأتعرف عليه لأنهل منه وأنتج ضمن التسلسل الطبيعي له، استمرارا للواقع المتجسد أمامي، إنه العقوق بعينه عند إنكار مكونات واقع الذات هذا”.

ويصر هنا أن لا نوستالجيا في ذلك ولا تراجع، أي لا سلفية في العيش برمته، إنه البحث والتعرف على الأصول والأسباب التي فرضتها البيئة والتسلسل التاريخي، ويضيف “هو نتاج بحوث قام بها سلف مبدع وصاحب فكر أصيل، والالتزام بهذا النهج، يقودنا كمعماريين وفنانين ومخططين إلى أدق التفاصيل المكونة لهذه الهوية، وهنا يكون الطابوق، مثالا حيا ونموذجيا”.

والطابوق منذ زمن العبيد في جنوب العراق وإلى يومنا هذا، المادة المثلى في كل نواحي التعمير، ويجيدها العراقيون إجادة تامة في صنعها واستعمالاتها، وكثيرة هي عناصر التخطيط والبناء الأخرى المكونة للأصالة التي تنضوي تحت هذا الإيمان، وهي بالتأكيد عند دراستها والتعمّق تستجيب لكل قيم المعاصرة السائدة، فلماذا العقوق والبحث عن مواد وعناصر مستوردة لا محل لها في البيئة والتاريخ، تنشز وتشوه، أشبه بإدخال جينات غريبة عن الأصل؟ يتساءل الألوسي.

ويجيب “في العمارة والتخطيط يستمر هذا النهج في تحليل جميع عناصر الموروث، الطابوق، الفناء، القوس، النسيج المديني وعناصر التخطيط الأخرى، وكافة تفاصيل القيم الجمالية والإنشائية الموروثة تنضوي تحت هكذا نهج فكري، ومن هنا تأتي التأثيرات المباشرة وغير المباشرة، الظاهر والباطن منها”.

صوب الكرخ

رصد معاذ الألوسي كرخ بغداد في ثمانينات القرن الماضي كرسومات، ولكن كصور من كاميرا تسبح في الفضاء: تخطيطات هندسية معمارية فيها شطحات صوفية، كما قال سابقا، هنا تسأله “العرب” أين هي اليوم؟ هل بقيت حبيسة الأدراج في أمانة العاصمة ببغداد؟

ويجيب بنوستالجيا عالية “الكرخ وما أدراك ما الكرخ، هو الصوب الذي أعادني إلى بغداد، كنت متنعما في محترفاتي في أثينا وبيروت، منتعشا بمياه المتوسط، ومناجيا آلهة إغريقية لا تعرفني، أعادني مشروع تخطيط الكرخ إلى الجذور والمنابع الأولى، بعد التجوال والتسكع في دروب الغربة وصحارى الخليج، تذوقت طعم وقيمة العودة إلى كنف بغداد، الأم الحانية المعطاءة”.

صرخة للحفاظ على جمالية المكان في بغداد

وتضاعف هذا الوله عند المعماري العراقي من خلال الحضور والعمل اليومي في الكرخ، مدة ثماني سنوات من التوحد مع منطقة “صوب الأجداد”، مسقط رأس والدته، ومصدر أساطير طفولته، فوالده من الألوسية في العاقولية عبر النهر في الرصافة، وطفولته ومراهقته وجزء من شبابه شمالا في الأعظمية، وليجمع المجد من كل أطرافه عاد بعد طول تجوال وتغرّب للعمل في مسقط رأس والدته وإلى منطقة أجداده “التكارتة” في الست نفيسة في صوب الكرخ، ويقول منتشيا “السعادة والاكتفاء بعينه، مكافأة لا تثمّن”.

ومن هناك كان مشروع تخطيط الكرخ أساسه خلفية الشطحات الصوفية في مقترحات التطوير والتحديث، الأجداد بطرفيهم يراقبون مدى التزام السلف بالقيم الموروثة، وهم في جوار المنطقة في مقبرة الشيخ جنيد والشيخ معروف، رقباء يحذّرون من ارتكاب الهفوة، أو عمل ما يشوّه مدينة الأجداد وقيمها المتوارثة، وهنا يوضح “لذا ترانا وبعد الدراسة المستفيضة وبتهيّب، كان قرار فريق التخطيط هو الحفاظ على الجزء الأكبر من منطقة الكرخ وصيانة نسيج جزء المركز الغربي لمدينة بغداد”.

وفي التخطيط الأساسي لمدينة بغداد كان المقترح إزالة القديم وتحديث وتطوير المنطقة بتشييد الجديد، إلا أن قرار الألوسي المضاد هو تحديث وتطوير المنطقة من خلال التجديد وصيانة الموجود، أي تدوير وإعادة استعمال الأبنية المحافظ عليها والمصانة باستعمالات حديثة.

ومن هنا تولدت هذه التخطيطات الشحنات الموجبة في تطوير المنطقة، توحّد مع الذات القائمة والمعيشة ووضعها على أسس حديثة معاصرة تسعد الكرخيين وأجيالهم اللاحقة، وتضفي الأصالة عليهم وتحافظ على خصوصيتهم.

ويوضح الألوسي “إذن هذه هي خلفية هذه التخطيطات والتي استقبلت ووجدت عين حانية في حينه، وعلمت مؤخرا ومن خلال تعليمات أمانة عاصمة بغداد، بأنهم مصرون على المنهج التخطيطي الذي وضع من قبلنا، كما يبدو، ما هو حبيس، وكما هي الحالة الآن في كل مرافق الحياة في العراق، الحبيس هو مناهج التطوير وهي في الكرخ بعدد 28 طقم إعمار أسوة بإعمار شارع حيفا، نتاج الدراسة التخطيطية لوضع الكرخ بأجمعها بمستوى المدن الأوروبية الموروثة الأصيلة كبراغ ودرسدن وسان بطرسبرغ وفيينا، ما يحدث اليوم هو الجمود، وتركها لقسوة الزمن وجشع البشر، من دون الشعور بالانتماء، القيم والأولويات اختلفت”.

شارع بغداد

في كتاب معاذ الألوسي “نوستوس-حكاية شارع في بغداد” صرخة للحفاظ على جمالية المكان في بغداد، عن هذه الصرخة يقول التشكيلي العراقي “للمكان في مدينة المنطقة تدرّج هرمي للقيم التي قام عليها المجتمع وتقاليده أو معتقداته مهما اختلفت جغرافياتها، حافظت الكثير من مدننا على هذا التدرج وأضفت على المدن خصوصية ونسيجا مدينيا واضحا مميزا يمتد من طهران شرقا وحتى الأطلسي غربا، نسيجا يعلن عن ذاته. وفي المقابل، استنسخت الحداثة الغربية، اليوم، بقيمها المادية المستندة على المال والاستهلاك، مدنا بتدرج غير متناسق ونسيج غريب جدا عن بيئة المنطقة، أفرزت مدنا ذات أبنية شاهقة للاستخدام البيروقراطي وفي خدمة رجال الأعمال، وهدمت بالتالي المنظور البصري للقيم الروحية التي هيمنت في السابق على المدينة”.

التراث العراقي القديم يتجلى في كل تفصيل من أعمال الفنان الألوسي

ويتساءل الألوسي هنا مرة أخرى “هل يمكن أن يتعايش شكلان يرمزان إلى قيم متناقضة كليا في المدينة الحديثة؟ كما كانت عليه الحال في المدن القديمة للعالم العربي، ماذا حدث؟ عشوائية وتخبط مدن تعيش على شرايين حياتها الزائفة الدخيلة، وبقلوب تنبض موسميا، وبالتالي أماكن لا تلهم ولا تنتج بإبداع”.

ويواصل الألوسي موضحا “المكان في تعريف الفلاسفة العرب يختلف معنى وجوهرا، عمّا نعرفه اليوم، المكان ذو القياس الإنساني والباحة الحنونة مفقودة، المكان صاحب البلاغة الصورية الملهمة، اختفى وفي خبر كان”.

ورفع الألوسي في كتابه “نوستوس-حكاية شارع في بغداد” راية مقاومة مدن الصدفة التي تأسست على حين غفلة، هي عنده بمثابة عشوائيات تجارية بأبراج تتسابق في صعودها، مع طرح سؤال “إلى أين؟”، مجيبا عنه بقوله “لا علاقة لها بالإنسان، حملة عشواء وسوف لا يهدأ لي بال قبل تغيير الوضع، أعرف مقدما أن أذن صاحب القرار صماء، على الأقل أخاطب زملائي ليقفوا معي ويخففوا من غلواء التسابق في سبيل نطح السحاب”.

وينتظر معاذ الألوسي قريبا صدور كتابه الرابع الذي يحمل عنوان “توبوس-حكاية مكان وزمان”، حيث يقول عنه “خلال تخطيط الكرخ تعرفت عن علم مصاحب للقرارات التخطيطية، هو علم ‘الاجتماع الحضري’، ومن خلاله كنّا نحاول إضفاء الشعور بالجيرة على أبنية شارع حيفا، تعويضا عن فقدان الجيرة في المحلة البغدادية المعروفة من جراء تشييد الشارع، بعدها نظرتي لمحلات ترعرعي أخذت منحى آخر في تقييمها، واستكشاف سبب عشقي الأبدي لمدينتي ومرافقها المدرسة الجيرة الكلية الطرف النادي، أماكن صقلت شخصيتي المعمارية والتخطيطية وحتى الفنية، وبالتالي تأثيرها على مجمل حياتي، وهنا يأتي دور كتابي الأخير”.

كتاب رابع من أبوّة كتابه السابق الـ”نوستوس-حكاية شارع في بغداد”، هو تلخيص لحكايات لا معنى لها إلا بوجود دور للمكان وللإنسان وللزمان، تجارب الألوسي بمجملها، أينما كانت، ومتى حدثت، معنية بالإنسان، فهو اللاعب الأول في صياغة تجربته الخاصة، وتجارب الآخرين الذين تعلم منها: أصدقاء، مدرسون، معلمون، زملاء، معارف، بشر طارئ، غرباء، إنهم أبطال الفعل في زمن محدد، ومن يعطي للمكان دلالاته التي تستحق التسجيل.

ويؤكد الألوسي أن كتابه الجديد بمثابة كتاب الذاكرة لمن أتعبته الحياة ونسي أو انشغل عن حياته الحقة بما هو رخيص، ويقول “هناك إرادتي الخفية المودعة فيه، وهي أن أعيد لمن لا وطن له وطنا، في الزمان والمكان،ها هو شوقي على وجه التحديد، مشكلتي الماكثة القديمة، هل من عيب أن أدغدغ حواس من فقد وطنه؟ أنا أدغدغ نفسي الآن في ذاكرة مجسّمه وملوّنة، بأبعادها الزمنية، متمنيا وجود شركاء مثلي، حتى تكتمل حجج هذه الدعوة التربوية المتأخرة”.

ومن مقدمة الكتاب يسرد معاذ الألوسي “في ‘نوستوس” امتلكت الشوق والذاكرة، في ‘توبوس’، وهي باليونانية المحل المتملك، ‘طابو’ بلغة المنطقة، أردت أن أمتلك صك ملكية ذكرى هذه الأمكنة كما كانت، أسجّلها باسمي كما يسجّل المُلك في التسجيل العقاري، أردت في الـ’التوبوس” وثيقة للحفاظ على العراق، صك طابو كبير، يحتاج لمن سيرثه الكثير من الوعي والحرص والعناد”.

كاتب من سوريا

15