معارضة "في حالة جر" وشعب "مبني للمجهول"

الاثنين 2013/12/16

الاتفاق الذي تم التوصل إليه السبت في تونس بعد ماراثون الحوار الوطني المضني، وفضلا عن الاسم الجديد الذي تم توفيره لرئاسة الحكومة، فإنه رسخ حقائق جديدة تسود الحراك السياسي التونسي. الحقيقة الأولى تتمحور حول ضعف المعارضة التونسية بمختلف تلاوينها (ليبرالية كانت أم يسارية)، أما الحقيقة الثانية فهي أن الشعب بكل مطالبه وأحلامه وشعاراته يقع خارج طائلة الحراك المشار إليه.

منذ اغتيال المناضل شكري بلعيد ذات أربعاء من فبراير 2013، ثم اغتيال محمد البراهمي في 25 يوليو، كان يطرح دائما ضرورة تغيير الحكومة وتغيير زاوية النظر السياسية، وفي إطار ذلك تطرحُ ضرورة اصطفاء حكومة تفكر أولا في الأمن والاقتصاد وتعيين مواعيد ثابتة لعملية الانتقال الديمقراطي. هذه المطالب/الحلول كانت تعكس الامتعاض السياسي العام من أداء الترويكا الحاكمة ومدى قدرتها على تحقيق وعودها وتحسين مستوى عيش تونسيين ثاروا على نسق سياسي سكوني ومنوال تنمية عقيم. لكن الترويكا الحاكمة كانت تقدم بانتظام براهين فشلها في هذه الأصعدة وغيرها، هنا كان الأمل معلقا على المعارضة الليبرالية واليسارية والقومية في أن تغيّر المشهد أو تلطّفَ من سوئه (وهذا أضعف الإيمان)، لكن الفاعلين السياسيين فشلوا في استقطاب شارع تونسي يئنّ يوميا من فراغ جعبة الحاكمين. كانت هذه إحدى مفارقات الوضع السياسي التونسي طيلة هذا العام الحافل بالأحداث.

المرحلة التي وصلتها البلاد مؤخرا ترجمها “الحوار الوطني” الطويل الذي انطلق منذ 25 تشرين الأول الماضي برعاية أربع منظمات وطنية كبرى، ظلّ يجترّ كل سمات الساحة السياسية التونسية وعوائقها: ترويكا تصرّ على البقاء في الحكم رغم التعهدات الشكلية بتسليم السلطة إلى شخصيات مستقلة. ومعارضة تدخل الحوار مشتتة وبلا برامج واضحة أو أهداف محددة سوى مجرد خوض الحوار. أدى هذا إلى تشكل ملامح مرحلة سياسية قوامها إدارة الحوار بمنطق الغنم الانتخابي.

في الأثناء كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني يزداد تأزما، ودلائل التأزم يعيشها المواطن في لقمة عيشه وشعوره بالأمان. لكن التعاطي مع التأزم لم يبرح حدّ تبادل الاتهامات بين طرفين كل يلقي التهمة والمسؤولية للطرف الآخر. لكن ذلك كله وفر للمتابع البسيط حقائق قوامها أولا أن الحكومة بقيادة حركة النهضة لا تنوي ولا تفكّر في التفريط في الحكم فضلا عن أنها لا تملك أدوات حلّ المعضلات التي تتراكم باطراد، وثانيا أن المعارضة التي احترفت نسق الاحتجاج زمن حكم زين العابدين بن علي لم تغادر بعد هذه الممارسة.

من كان قادرا على تقديم حلول عملية ممكنة التحقيق والإنجاز في ظل الاستقطاب الحاد بين حكومة تنظر فقط نحو كيفية تأبيد البقاء في الحكم، وبين معارضة لم تتوصل إلى الاتفاق على الأدنى المشترك ولم تنجح في تقديم بدائل حقيقية لحل الأزمة المزمنة المتواصلة منذ أشهر.

في هذا الجوّ الملبّد جاء “اصطفاء” المهدي جمعة رئيسا جديدا للحكومة خلفا لعلي العريّض ليؤكد أن حوارا سُمّي “وطنيا” أفضى إلى أن حركة النهضة التونسية سلمت الحكم إلى حركة النهضة التونسية، باعتبار أن المهدي جمعة ليس إلا وزير الصناعة في حكومة علي العريّض، وما حدث السبت هو امتداد للمحطات السابقة حين سلّم حمادي الجبالي (رئيس الحكومة زمن اغتيال شكري بلعيد) الحكومة إلى علي العريّض (وزير داخليته آنذاك)، وهاهو العريّض يسلم “المشعل” لمهدي جمعة (وزير الصناعة إلى حدود يوم السبت) ما يعدّ استنساخا فجّا لعنوان الفشل وأسمائه، وعمليات تجميل لأخاديد سياسية غائرة.

هذا يؤكد أيضا أن الحكومة التي عجزت عن تحقيق مطالب كانت العناوين الأساسية للثورة هي ترجمة مباشرة لوصول لاعبين سياسيين لا يملكون شيئا من شروط ممارسة الحكم، وأن الشعب التونسي ابتلي بمعارضة من جنس حكامه، أي أن الجدب السياسي لا يقتصر فقط على الحكام بل يطال معارضة «في حالة جرّ»، من قوى عديدة، ليظل الضحية هو الشعب الذي تحوّل في كل المحطات السياسية الفائتة إلى “نائب فاعل” يتحمّل تبعات فاعل مبني للمجهول.


كاتب صحفي تونسي

8