معارضون سوريون يخشون أن تكون ثورتهم بيعت في لوزان

الجمعة 2015/04/10
معاناة السوريين ستطول أكثر بسبب اتفاق لوزان

يخشى عدد كبير من السوريين أن يُطلق اتفاق لوزان النووي يد إيران في المنطقة كقوة إقليمية، ويؤثّر سلبا على مسار الأزمة السورية؛ لكنّهم يؤكدون، في نفس الوقت، أن طهران باتفاق أو بغيره لن تكون قادرة على وقف سقوط النظام، وإن كانت ستطيل من عمر الأزمة وتزيد مأساة لاجئي الداخل والخارج تعقيدا.

أثار التفاهم النووي المبدئي الذي جرى توقيعه في لوزان السويسرية بين إيران ودول الـ (5+1) اهتمام السوريين بشكل كبير، معارضة ونظاما، خاصة وأن الطرف الإيراني، الذي وقّع على الاتفاق، يعتبر أهم حليف للنظام السوري وأكبر متدخّل بالشأن الداخلي السوري، عسكريا وسياسيا واقتصاديا.

وقد أعرب كل طرف من الأطراف السورية عن أمله بأن يؤدي هذا الاتفاق إلى إضعاف الطرف الآخر، فالمعارضة تعتقد أن إضعاف إيران نوويا سيكسر مخالبها وهذا سيُضعف النظام تلقائيا، فيما يعتقد النظام أن رفع العقوبات عن إيران سيريحها اقتصاديا ويدفعها لزيادة دعمها له، وكل طرف يتحدث عن “صفقة ما” تمت في لوزان جوهرها النووي والأزمة السورية.

كان الارتياح واضحا على النظام الذي انتهز الفرصة، عبر إعلامه، ليشن هجوما على الدول العربية التي كانت تعارض البرنامج النووي الإيراني ويقول إنها تلقّت “صفعة مدوية”، وليؤكد بفرح أن إيران “بدأت اليوم تكتب التاريخ”. أما المعارضة فكانت حذرة إذ خشيت أن يكون هناك صفقة بالفعل تتيح لإيران التمدد إقليميا كمكافأة على توقيعها الاتفاق.

انقسمت المعارضة السورية بين تيارين، الأول تخوّف من أن تكون هذه الفرضية أمرا حقيقيا، وأن يكون هناك خطة لتطبيع العلاقات الإيرانية ـ الأميركية، والثاني أشار إلى أن بنود الاتفاق الثمانية واضحة وفيها نزع لأظافر إيران، وسيحوّلها إلى بلد أقل من عادي على المستوى العسكري، وسيتبعه سلسلة من التنازلات وعلى رأسها التخلي عن دعم النظام السوري.

لؤي صافي: الثورة المتضرر الأول من اتفاق لوزان بشأن النووي الإيراني

نتائج الاتفاق

في الجانب السياسي، يرى الكثير من السوريين أن انعكاس الاتفاق على الإقليم بعد رفع العقوبات عن إيران سيكون كبيرا، وسيؤدي إلى إطلاق يد إيران في التصرف واستغلال المليارات المحررة في تثبيت نفوذها والتحول إلى قوة مهيمنة إقليميا وتحقيق حلمها الإمبراطوري.

المعارض السوري لؤي صافي، الناطق السابق باسم ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، قال لـ (العرب) “الاتفاق الأميركي الإيراني النووي يفرض على إيران نظام مراقبة محكم يحدّ من قدرتها على تطوير سلاح نووي، لكنه بالمقابل يرفع بشكل كامل الحظر المضروب عليها منذ سنوات، ويسمح لها بيع كميات من ثروتها الاقتصادية الأساسية وخاصة النفط، ما سيزيد من دخلها القومي ويرفع السيولة التي ستستخدمها إيران لدعم تدخلها العسكري في سوريا والذي وصل إلى 34 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية”.

وأضاف صافي أن “القرار الذي واجه القيادة الإيرانية كان يراوح بين خيارين: إما المضي في مشروع تطوير السلاح النووي والتخلي عن نظام الأسد، أو التخلي ـ مؤقتا ـ عن المشروع النووي لدعم النظام الأسدي الذي تحول إلى منظومة أمنية تابعة كليا لطهران، وهو الخيار الذي انتهت إليه إيران لتوسيع دائرة نفوذها في المشرق، والهيمنة على المنطقة من خلال الجماعات الشيعية المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن التي تشكل رأس الحربة للمد الإيراني في المنطقة العربية”.

جان صالح: سوريا ولاية إيرانية
واشنطن - يصف المعارض السوري جان صالح سوريا بـ»الولاية الإيرانية». ويفسر صالح، المحلل في مركز واشطن لدراسات الشرق الأدنى، كيف أن التمدّد الإيراني داخل سوريا وصل إلى درجة أن القرار السياسي والعسكري واستراتيجية نظام بشار الأسد في مواجهة الثورة السورية، ترسم كلها في طهران.

ويؤكد جان صالح في تحليله أن من يحكم سوريا اليوم ليس الأسد، بل النظام الإيراني. وتغلغل طهران في سوريا وسيطرتها على القرار السياسي والأمني وإرسالها للميليشيات الشيعية العراقية وحزب الله إلى سوريا لقتال المعارضة المسلحة، بالإضافة إلى تحكمها بمستقبل النظام واستمراريته، كل هذه الأمور لا تنبع من إرادة إيرانية لحماية الأسد، بل من منطلق أن سوريا في ثقافة النظام الإيراني هي ولاية من ولاياته الإستراتيجية.

سوريا لها أهمية جيوسياسية لطهران في المنطقة، كتهديد جغرافي لإسرائيل وشريان سياسي وعسكري لجنرالات طهران وحرسها الثوري لخلق المشاكل والفوضى داخل لبنان من خلال حزب الله، وأيضا تهديد لتركيا من خلال مراقبة حدودها الطويلة مع سوريا، وزعزعة أمنها الداخلي عبر المكون العلوي التركي المعارض للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والداعم لنظام الأسد. وهنا تجدر الإشارة أيضا إلى أن إيران، وبحسب تقارير إعلامية، أقامت قاعدة عسكرية على جبل الأكراد، «قمة النبي يونس»، لمراقبة تركيا وتحركات جيشها.

ويخلص جان صالح إلى أن المسؤولين الإيرانيين بعد أن تنتهي استفادتهم من الأزمة السورية، من المحتمل جدا أن يتخلوا عن الأسد وتدخل في زواج سياسي ومصالحي مع الولايات المتحدة.

وتابع موضحا أن “إيران، بطبيعة الحال، لم، ولن تتخلى كليا عن مشروعها النووي وستعتبر الاتفاق ضرورة مرحلية لنمو قوتها ونفوذها، فالاتفاقية النووية يمكن النكوص عنها مستقبلا بسهولة، والثورة السورية ستكون المتضرر الأول من هذا الاتفاق للأسباب السابقة. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن إيران ستكون قادرة على وقف زحف القوى الثورية المسلحة باتجاه إسقاط النظام، لكنه يعني أن معاناة السوريين ستطول أكثر بسبب هذا الاتفاق، والولايات المتحدة لن تقدّم للسوريين أكثر من جعل بلادهم بؤرة لاستنزاف القدرات الإيرانية، وبالتالي فإن أي أمل في تعجيل سقوط النظام وخلاص السوريين منه تتوقف على قيام تحالف إقليمي، تتقدمه السعودية، يدعم الثورة دعما حقيقيا”.

لكن الكاتب والمعارض السياسي السوري علي العبدالله رأى الأمر من وجه نظر ثانية، حيث قال لـ(العرب) “لقد ركّزت تعليقات كثيرة على رفع العقوبات وحصول إيران على كتلة نقدية كبيرة ستمنحها فرصة أكبر للتحرك الخارجي لاستكمال مشروعها الإمبراطوري. وأعتقد أن هذا البعد هو الأقل أهمية في الاتفاق، إذا ما قورن بخروج إيران من تحت سقف العقوبات، التي وضعتها في صف الدول المارقة، والعودة إلى المجتمع الدولي وعودة العلاقات التجارية والاستثمارات وعودة الخبرات الأجنبية التي يمكن أن تُخرج الصناعة الإيرانية من الهوة التي وقعت فيها بفعل العزلة والعقوبات، وتحسين مستوى العمل في مجال استخراج النفط وتكريره وتصفيته، لتحقيق اكتفاء ذاتي في المحروقات، وإطلاق الدورة الاقتصادية وتوفير فرص عمل ما يجلب الانتعاش إلى الاقتصاد ويُخرج المواطنين من حالة التذمر واليأس ويحقق الهدوء والاستقرار”.

ضغوط على إيران

أضاف العبدالله أن “الحديث عن أن الاتفاق سيسمح بإطلاق يد إيران في التصرف واستغلال المليارات المحررة في تثبيت نفوذها والتحول إلى قوة مهيمنة إقليميا مبالغ فيه لاعتبارات، أولها أن ما دفع إيران إلى الدخول في المفاوضات وقبول الاتفاق هو وضعها الداخلي والاحتقان الاجتماعي الذي ترتب على البطالة وانهيار سعر صرف العملة وعجز الحكومة عن توفير المحروقات والمواد الأولية للصناعة والزراعة وحاجتها إلى قطع الغيار والاستثمارات والخبرات لسد العجز، وثانيها حاجتها إلى عودة الشركات الأجنبية للتنقيب عن النفط والغاز، وثالثها أخذ حصتها من النفط والغاز في السوق العالمية، ويمكن أخذ رفع العقوبات وتحرير الأموال المجمدة كعامل مساعد في هذه الأولويات، فحصولها على الأموال المجمدة لن يُحدث فارقا كبيرا في حركتها الإقليمية لأنها لم تشك من نقص كبير في قدراتها المالية، فلديها احتياطي نقدي معقول (110 مليار دولار) لكنها كانت تشكو من الشيطنة والعزلة وتآكل بنيتها التحتية ولديها هواجس ومخاوف داخلية”.

علي العبدالله: تصعيد إيران سيتم لاعتبارات مرتبطة بهزائمها في جنوب سوريا

وأضاف “لكل هذا لا أرى أن بإمكان إيران رفع مستوى تدخلها في المواجهة الدائرة في سوريا، أولا لأنها لم تدّخر جهدا في ذلك دون أن تنجح في تحقيـق أهدافها في سحـق الثورة وحسم الصراع عسكريا لصالح النظام، فمازالت هزيمتها في جنوب سوريا التي خطط لها وقادها الجنرال قاسم سليماني ماثلة للعيان، وكذلك فشلها في تحرير تكريت دون مشاركة طيران التحالف الدولي، وعجزها عن حماية ودعم الحوثيين في اليمن، وثانيا لأنها ستضطر لمراعاة الداخل وتلبية مطالبه لتنفيس الاحتقان وتبرير التوتر السائد. وهذا سيشجـع الداخل الإيـراني على المطـالبة بالمـزيد والضغط لتركيز العمل على الداخل والالتفات إلى حل مشكلات المواطنين في مجالات العمل والصحة والتعليم والبنية التحتية والكف عن هدر الإمكانيات على الخارج، لكنّ هذا لا يعني أن إيران ستخفف من دعمها للنظام أو دورها في سوريا، لكن التصعيد المتوقع سيتم لاعتبارات دفاعية مرتبطة بهزائمها السابقة وبردع دول “عاصفة الحزم” كي لا توسع هجومها على مواقع النفوذ الإيرانية عبر رفع مستوى دعمها للقوى التي ترعاها كمّا ونوعا”.

مصدر دبلوماسي أوروبي متابع لما جرى في لوزان قال لـ (العرب) “لا يوجد أي ملاحق سياسية أمنية سرية في اتفاق لوزان، وكل ما يتحدث عن وجودها هو بروباغندا إعلامية، واللعب بالشرق الأوسط والخليج ليس محل صفقات، ويعرف الغرب أن إيران قد لا تلتزم ببنود الاتفاق خاصة أنه لا يوجد فيه أي إشارة لعقوبة عسكرية بحال لم تلتزم ويكتفي بإعادة تفعيل العقوبات الاقتصادية من جديد، ويجب انتظار الصيغة النهائية لمعرفة الضمانات”.

بالعموم، لا ينظر السوريون لاتفاق لوزان على أنه حدث تاريخي أو زلزال يضرب ثورتهم، أو الشرق الأوسط، ويشددون على استمرارهم في الثورة، لكنّهم يأملون أن يفرض الغرب توازن استراتيجي إقليمي، يضع حدا لتدخل إيران في بلدهم ودول عربية عديدة، ودون ذلك يؤكدون على أن المنطقة ستبقى مندفعة نحو الهاوية.

12