معارضون فاشلون وحكّام"فاسدون"

سياسيو العراق اليوم فشلوا في معارضتهم للنظام السابق، كما لم يصبحوا رجال دولة لهم مقامهم اللائق بعد أن سقط ذلك النظام وأصبحوا حكاما للعراق.
الأحد 2018/09/02
لم يعد هناك ما يقال

من يقلّب أوراق السياسيين الذين يحكمون بغداد اليوم يجدها في الجوهر تكرارا لفشلهم وعجزهم حينما كانوا معارضين لنظام صدام حسين. كانوا فاشلين وعاجزين كمعارضة ثم عجزوا وفشلوا في الحكم. غالبيتهم كانوا رهينة أجهزة مخابرات عربية (سورية وإيرانية)، ثم التأموا تحت ظلال المسؤولين الأميركيين منذ عام 1991 الذين استلموا مباشرة الملف العراقي واستبعدوا السعودية وأعطوا الفرصة لإيران لتشتغل على طريقتها التي لم تتغير لحد الآن في تعاطيها مع العراق كبلد عربي تجب إزاحة هويته بغطاء الدين والمذهب وإخضاعه لها.

كان بعض المعارضين يتعاملون مع الحرس الثوري الإيراني، والبعض الآخر كان يتلقى التعليمات من المخابرات الأميركية، وهناك من كان عميلا مزدوجا. غياب الاستقلالية كانت له تبريراته الظرفية لكونهم يقيمون كلاجئين في تلك البلدان، لكن البعض الآخر ممن تواجدوا في البلدان الغربية كانوا قادرين على التمتع بالآراء والمواقف المستقلة بصورة نسبية.

بسبب الارتهان السياسي، لم تتمكن قوى المعارضة من توحيد خطابها العراقي وفشلت في عقد مؤتمرات ذات استقلالية عراقية، والأحداث ليست بعيدة عن الذاكرة في مؤتمرات صلاح الدين وفيينا وبيروت ونيويورك ولندن، وهذا المؤتمر الأخير هو الذي وضع الوصاية الخارجية على الشأن السياسي العراقي بقبول مهين لوضع القواعد الجهنمية للحكم العراقي على أساس التوزيع والمحاصصة الطائفية.

رغم هذه الصورة المخجلة، التي لا تختلف عما نشاهده اليوم في المعارضة السورية، هناك معارضون عراقيون غير طائفيين اتخذوا خطا وطنيا واضحا لكن قدراتهم كانت ضعيفة ومشتتة وجرت عمليات إجهاض متواصلة لعزلهم، وهذا الحال هو الذي قاد إلى وصول هذا الصنف الذليل من المعارضين إلى السلطة في العراق تحت المظلتين الأميركية والإيرانية.

لم يتمكن الحكام الجدد رغم ما قدمته السلطة لهم من إمكانيات القوة والاقتدار والمال أن يبلوروا خطا وطنيا مستقلا بغض النظر عن الأيديولوجيا المحركة لمناهجهم السياسية. دخل هؤلاء قاعات السلطة الجديدة ضعافا مبهورين بهذا العالم السحري، قايضوها بمشروع تدمير العراق وتقسيم أهله على أساس شيعي وسني وكردي وتغييب الهوية الوطنية وهم محملون بعقلية المعارضة السلبية السطحية التي لم تتجاوز حدود شعارات إسقاط نظام صدام بلا مشاريع واضحة للتغيير في مجالات الاقتصاد والتربية والتعليم والصحة في ظل نظام الدولة الديمقراطية المدنية الجديدة.

النظام التعددي الذي هندسه الأميركيون وأشرفوا على تنفيذه في العراق لا يشكل بديلا حقيقيا للنظام الفردي الدكتاتوري ما لم يرتبط بمشاريع التحول والتقدم في جميع مجالات الحياة والدخول في بناء مؤسسة الدولة الحديثة الذي هو الهدف الأساسي للتغيير، لكن هذه القضية الجوهرية لم تكن تُهم الحكام الجدد، وتشبثوا بالوسيلة الوحيدة التي تؤمن لهم استمرارية السلطة وهي “الانتخابات”.

وحين تسأل الأميركيين المعنيين بالملف العراقي: لماذا هذه النتيجة المخزية المشوّهة للنظام الديمقراطي؟ يجيبون بأنهم قدّموا للعراقيين جميع الوسائل والإمكانات المادية والمعنوية لكنهم لا يريدون خدمة بلدهم. لقد كان قادة الأحزاب يرمون الأسباب لتعطيل مشروع إعادة بناء العراق على قوات الاحتلال الأميركي حتى مغادرتها رسميا عام 2011.

لكن ماذا تحقق بعد ذلك؛ فقد جرت عمليات إجهاض منظمة ضد المطالبات الشعبية بالإصلاح، واستخدم السلاح ضد المدنيين في أكثر من مناسبة، واستفردت تلك الأحزاب بالحكم في تجاوز واضح للمعايير الحقيقية للديمقراطية لأن أهم مبرر في النظام الديمقراطي هو خدمة الدولة للمواطنين وليس العكس تهجيرهم وتجويعهم وتجهيلهم وهذا ما حصل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية للعراقيين.

الشواهد لا تعدّ ولا تحصى في جميع مدن العراق من الموصل الحدباء التي تحولت إلى أطلال بعد أن كانت تحكي عن صروحها الشامخة إلى البصرة الفيحاء التي كشفت الشهور الأخيرة عن بواطن الألم الذي يعيشه أهلها الموصوفون بالطيبة والصبر حيث تحولت مدينتهم، وهي سلة العراق النفطية، إلى “صحراء”، مع ذلك لم نجد قوافل السياسيين الفائزين زورا بالانتخابات الأخيرة يتوافدون على أهل البصرة لمواساتهم على هذه النكبة التي صنعوها بأنفسهم لأنهم منشغلون في ترتيبات وصفقات الحكومة الجديدة.

كما أن حالة التأخير في إعلان الكتلة الأكبر تدور على الأرجح في المربع الذي سارت عليه العملية السياسية: لا حكومة تقابلها معارضة برلمانية مثلما يشاع، فالجميع يريد أن يكون في السلطة لأنها تجلب المغانم المادية والجاه وليست من أجل الخدمة العامة للجمهور. ولو كانوا مؤمنين حقا بالديمقراطية لقبلوا قانونها في النظام البرلماني القائل “حكومة قوية تقابلها معارضة قوية أيضا”.

وقد علّق أحد البرلمانيين الفائزين متخوفا من الذهاب إلى المعارضة بأنه قد يلاحق على مواقفه وآرائه. سياسيو العراق فشلوا في معارضتهم للنظام السابق، كما لم يصبحوا رجال دولة لهم مقامهم اللائق، بعد أن سقط نظام صدام حسين وأصبحوا حكّاما للعراق.

6