معارضون هواة يعبثون بسوريا

الأربعاء 2014/12/03

كشفت الاجتماعات التي جرت مؤخراً لـ (ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية) ـ أكبر تجمع سوري معارض معترف به دولياً ـ عن وجود خلافات حادة وعميقة بين كل مكوناته تقريباً، تهدد وحدته بل وحتى وجوده.

انتهت اجتماعات قادة الائتلاف كما بدأت، فلا هم اتفقوا على تعديل النظام الداخلي للائتلاف الذي وُضع على عجل عند تأسيسه، ولا اتفقوا على تشكيل الحكومة المؤقتة للمعارضة، ولا اتفقوا على أن يتفقوا على شيء، واختلفوا هل يفتحون ملفات الفساد أم يبقونها مغلقة، كما اختلفوا على آليات اتخاذ القرار وعلى منهجية عمل هذا التكتل السوري المعارض.

اختلف الجميع، ولتحقيق الأهداف، لجأ كل طرف إلى التحالف مع من يمكن أن يساعده في تحقيق هدفه بغض النظر عن إيديولوجيته وسياساته ونواياه الأخرى، فتحالف اليساريون والديمقراطيون مع الأخوان المسلمين، والقوميون مع الأكراد، والعسكر مع العشائر، والليبراليون مع الراديكاليين، والمهمشون داخل الائتلاف مع حيتانه، في خليط غير مستقر ولا أمل له في الحياة.

اتُّخذت قرارات وألغيت في نفس اليوم، وشُكّلت الحكومة المؤقتة وأُقيلت في نفس اليوم، واختار العسكر ممثليهم واحتج عليهم عسكريون في نفس اليوم، والمستغرب أنه لم يبق أحد من قادة الائتلاف الـ (120) إلا وانتقد الائتلاف وأداءه علناً وأعلن فشله كمؤسسة سورية جامعة ناجحة، لكن كل هذا لم يدفع أي واحد منهم إلى تقديم استقالته.

أحد قيادييه البارزين قال عنه إنه “مُصاب بمرض عُضال لا شفاء منه”، وإن أعضاءه “يعيشون في فقاعة هوائية”، وآخر قال عنه إنه “تجتاحه أزمة عميقة متعددة الأبعاد عجز عن معالجتها”، وقال آخرون من قادته كلاماً أقسى بحقه.

نادراً ما مرت معارضة تمثل ثورة بما تمر به المعارضة السورية من خلاف وضيق أفق وشخصنة وبعد عن الثورة وأهدافها، وقلة هي الدول التي نشأت فيها تكتلات سياسية معارضة خلال الثورة بالعدد الذي أصبح لدى السوريين، وكلما اجتمع عشرة أشخاص وحصلوا على تمويل من أي كان سرعان ما يشكلون هيئة سياسية أو تكتل معارض أو حزب، واعتقدوا واهمين أنهم مناسبون لحمل عبء الثورة، وأنهم قادرون على رسم مستقبل سوريا، وتحدثوا باسم الشعب والوطن، دون أن يستطيع أي تكتّل معارض مهما كبر أن يؤثر على النظام الذي يستمر بعنفه المطلق في ارتكاب ممارسات يومية ضد الإنسانية.

لا يُجدي كثيراً الكلام عن المعارضة السورية الداخلية، فهي أولاً غير معترف بها من قبل غالبية الدول كممثلة للثورة، وبعضها ضعيف جداً، وبعضها الآخر محاصر إلى حدّ الاختناق، كما أن بعضها فقد رصيده الجماهيري نتيجة رغبته في كسب ود السلطة أو حليفيها (روسيا وإيران).

كذلك لا يجدي كثيراً الحديث عن فصائل المعارضة المسلحة، التي لا قيادات سياسية لمعظمها، والتي لا تفكر إلا في معاركها اليومية ولا تمتلك استراتيجية واضحة إن امتلكتها بالأساس، ولا تعرف كيف ستحقق الأهداف بعيدة المدى من خلال نضالها المسلح، وتستمر في رفض التوحد ضمن جيش وطني متناغم يُفرز قيادة سياسية.

وحده (ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية) الذي يحظى باعتراف دولي، ويتلقى مساعدات مالية كبيرة، ودعماً سياسياً من دول كثيرة، ويحمل صفة “الممثل الشرعي” للثورة حين ضم في بداياته معارضين مخضرمين ومناضلين قضوا سنوات في السجون.

لكن الحال تغير اليوم، فالقسم الأكبر من أعضاء الهيئة العامة للائتلاف (120 شخصاً) وغالبية “قياداته العليا” هم من حديثي العهد بالمعارضة، متدربون وهواة سياسيون لا خبرة لديهم، لم ينشطوا يوماً في العمل السياسي، ولم تكن لهم نشاطات في أحزاب معارضة علنية أو سرية، بل حتى لم يهتموا بهذا الأمر سابقاً، كما لم يشاركوا في نضال من أجل إصلاح النظام أو معاداة السلطة، ولم يهتموا قبل “قفزهم” إلى كراسي الصدارة بالتيارات الثقافية والسياسية والاجتماعية والأهلية الموجودة في سوريا، لا يعرفهم النشطاء ولا المناضلون المخضرمون في سوريا ولا الجماهير الشعبية، وبعضهم لن تجد اسمه في كل محركات البحث بالإنترنت ولا مرة واحدة، ظهروا فجأة كالفطر، وبشكل غريب وجدوا أنفسهم ـ ومن دون مقدمات ـ قادة للمعارضة، واعتقدوا أنهم صالحون لإدارتها وقادرون على إسقاط النظام بإشارة من إصبعهم أو بتصريح ناري على إحدى القنوات الفضائية، أو بتطبيق مبــادئ نظريـة درسوهــا في المـدارس أو سمــعوا بها.

لهذه الأسباب، استخف الأميركيون والأوربيون بهذه المعارضة، ووجهوا لها الأوامر لا النصائح، ولم يعد الممولون يناقشون بل يأمرون، وبعضهم يقرر أسماء قيادات ومجالس بعض كتل هذه المعارضة، وبعد عامين على تأسيسه، لم يستطع الائتلاف سوى تعميق انقسام القوى السياسية المعارضة، وبرع في هدر المال السياسي ورهن قراره بالأطراف الإقليمية والدولية ومازال، وأدى ذلك بدوره إلى أن يزداد النظام تطرفاً وتعصباً وقمعاً وفساداً ولجوءاً كلياً إلى الحل العسكري والحربي الدموي.

7