معارض عربية تحتفي بـ"الرسم السوري".. الآن

الثلاثاء 2013/11/12
لوحة من الفن السوري الحديث

كان الناقد والرسام أسعد عرابي يصرّ على استعمال مصطلح المحترف السوري حين يتعلق الأمر بالحديث عن تحولات الرسم الحديث في سوريا. وكما أرى فإن عرابي كان محقا. ذلك لأن سوريا كانت ولا تزال منجما عاكفا على تفاعل معادنه النادرة. فما قدمه السوريون طوال أكثر من سبعين سنة من الإنجاز الفني للحداثة الفنية قد يشكل الجزء الأكبر منها.

هذا الحكم لا يتعلق بعدد التجارب الفنية، بل بنوعها وقيمتها وقدرتها على مقاومة الزمن إضافة إلى ما تحققه من سعة على مستوى الخيال التصويري. هناك تنوع في الأساليب والمضامين والتقنيات والأفكار، استطاع أن يكون طوق نجاة للفن في مواجهة النظريات السياسية التي كانت تحاول بين حين وآخر تقييد حرية الفن تحت شعار "الفن الملتزم" أو "الفن الذي يفهمه الناس".

بسبب كل هذا الغنى يستحق الفن السوري الحديث أن يسلط عليه الضوء عربيا بين حين وآخر. ذلك لأن المؤسسة الفنية السورية لم تكن حاضنة محايدة، بل كانت رعايتها تخضع دائما لمزاج حزبي ليس لديه القدرة على التحرر من تعصبه لمبدإ الموالاة الساذج الذي لا يمكن أن يتبعه الفنانون الحقيقيون.

الآن، كما في كل وقت يبدو الاهتمام بالفن السوري أمرا طبيعيا ومطلوبا.

معرضان كبيران في بيروت، معرض في الكويت وآخر في دبي، وكلها معارض جماعية، كل واحد منها يحمل عنوانا مضللا هو "الفن السوري الآن". وحين يطلع المرء على أسماء المشاركين يكتشف أن ما يُعرض في هذه القاعة أو تلك، إنما هو جزء صغير من الإنجاز الفني السوري. جزء لا يمكنه أن يحتكر تلك التسمية بكل وقعها الشمولي. إذا ما تجاوزنا هذه العقبة فإن أشدّ ما نخشاه أن تكون تلك المعارض التي لا تقام لأسباب فنية خالصة، وهو أمر يمكن تفهم طبيعته، مناسبة يستثمرها تجار الفن من أجل تمرير الكثير من التجارب الفنية ذات المستوى الضعيف ووضعها في إطار تلك التسمية الشاملة إلى جانب التجارب الفنية الأساسية والتي شكل وجودها فتحا على المستوى التاريخي.

يكون علينا أيضا أن نحذر من أن يُفتح باب العاطفة، وهي هنا عاطفة إنسانية مصدرها شعب خرج إلى الشوارع مناديا بالحرية، على نوع من التواطؤ النقدي الذي يفضل الصمت في مواجهة المحاولات الفنية الرديئة انسجاما مع روح تلك العاطفة. سلوك ثقافي مضرّ من هذا النوع يمكن توقعه في اللحظات التي يشعر فيها الناس بالحرج التعبيري. ثمّ من قال إن تجار الفن سيكونون متعففين عن الاتجار بالعواطف النبيلة؟

حتى هذه اللحظة فإن المعارض التي أقيمت قد تميزت بمستوى يليق فعلا بسمعة الفن السوري وتاريخه العريق، غير أن ذلك قد لا يكون سوى مقدمات لهجمة تجارية، من المؤكد أنها ستضرّ بالفنان السوري الذي كان يحرص دائما على أن يضع خطواته على أرض، كأن يختبرها بعينيه قبل قدميه. وهو سلوك يفصح عن حرص الفنان السوري على أن يضع فنه في المكان المناسب.

16