معارف ومطاعم

الثلاثاء 2017/11/07

يفد العرب على الغرب وينقلون معهم عادات وثقافات ومآكل ومشارب. العرب يحبون طعامهم ويتعلقون به وبسببه، ربما، لم تعد لهم فتوحات. الشعوب التي تمضي في الفتوح وتقاتل بشراسة في أنحاء الأرض غالبا ما تكون شعوبا سيئة الطعام. وعندما يتحسن الطعام تركد الشعوب أو على الأقل يصير لها ما تشتاق إليه ولا تطيق الابتعاد عنه.

من لا يصدق الاستنتاج هذا أحيله إلى الفتوحات العربية وضراوتها عندما خرج العرب من صحرائهم بحيث يبدو كل مكان يحلون به أجمل وذا طعام أحسن مما لديهم. ويمكن الإحالة إلى الإنكليز، في قرون خلت، وأكلهم الرديء جدا، مصحوبا بطقسهم السيء طبعا، حينها حكموا العالم وكانوا يجدون طعاما أطيب مما لديهم في بلادهم فيطيب لهم أن يظلوا مندفعين في الفتح لا يجذبهم شيء إلى الوطن.

العرب الذين يأتون إلى الغرب ليسوا كلهم مهندسين وعلماء أو كتابا ومثقفين باحثين عن رئة يتنفسون بها في ما يعرف بحرية التعبير. هؤلاء موجودون طبعا، لكن الأخطر منهم وأهم هم البقالون والطباخون وصانعو البقلاوة وبائعو الخضروات. يفتح هؤلاء محلات لنجدة العربي الذي يضيق ذرعا بطماطم الإنكليز المتساوية الحجم والتدوير التي تبدو مثل كرات البليارد.

بائعو الخضروات لا ينقلون معهم قدراتهم على اقتناص البامية الجيدة وانتقاء الخيار الطازج والطماطم الريانة وحسب بل يجيؤون وبمعيتهم شيء أخطر ولا لوجود لمثله في الغرب. يجلبون معهم معارفهم التي لا تنتهي في كل شيء وفي أي موضوع عدا الخضروات. يتكلمون في الزلازل وسقوط الحكومات وجرائم الخمير الحمر وحرب فيتنام ولا يوفون الفلفل الأخضر حقه من العناية والاهتمام.

بائع البصل الفلسطيني، مثلا، أو بائع البطيخ المصري يقول لك بلهجة ملؤها اليقين وبشكل حازم "اسمع مني، أنا أخبرك بما قال ريغن لغورباتشوف في قمة ريكافيك في ايسلندة". وأنت تعرف أن اجتماع القمة ذاك غيّر العالم وأنهى الحرب الباردة وكان لقاء تعمدوا أن يكون في عاصمة بعيدة في بلد مثل ايسلندة لا يزوره أحد وخلف أبواب موصدة تماما. ما دار هناك من حديث لا يعرفه أحد سوى باعة الخضروات العرب.

هذا الادعاء بمعرفة كل شيء عن أي شيء ليس حكرا على باعة الخضروات عندنا. هناك الإسكافي وآراؤه العسكرية وسائق التاكسي وطرقه الناجعة لحل الخصومات الدولية ونادل القهوة وعلاجه للسكري والسرطان وأمراض مستعصية أخرى باستخدام البصل وقشور البطاطس.

هذا يوحي أننا تجاوزنا مرحلة الجهل وانحدرنا إلى الأخطر وهو توهم المعرفة.

24