معارك الإعلاميين والسياسيين تستهوي المشاهدين في تونس

أصبحت حرية الصحافة في تونس، مهددة بسبب الإعلاميين أنفسهم الذين يخلطون الرأي الشخصي بالعمل المهني في مشهد يعكس غياب ثقافة المهنية الإعلامية.
الثلاثاء 2015/11/10
الإعلام في تونس ساحة صراع يسعى من خلالها كل إعلامي إلى تحقيق السبق بطرق مختلفة

تونس - حلقات مسلسل التراشق بالاتهامات بين السياسيين والإعلاميين، في تونس، لا تنتهي، آخرها ما حصل ليلة الأحد على قناة الحوار التونسي الخاصة بعد انسحاب رئيس تيار المحبة وصاحب قناة المستقلة التي تبث من لندن الهاشمي الحامدي من برنامج “لمن يجرؤ فقط” موجها وابلا من الشتائم لمقدم البرنامج سمير الوافي.

أما عن سبب الانسحاب فيبدو أن الحامدي لم يرق له “تحقيق طريف” جمع نقاط التشابه بينه وبين سنية بن تومية ضيفة البرنامج أيضا، المعروفة بسلوكياتها المثيرة للسخرية.

وحسب قول الحامدي فإن انسحابه يتعلق بأنّ “مقدم البرنامج لم يوجه له سؤالا واحدا عن مظاهرة 31 أكتوبر الحاشدة التي نظمها للدفاع عن حقوق العاطلين عن العمل وعمال الحضائر وفقراء تونس، ولم يبث أي تقرير مصور عنها”.

وقال الحامدي في تدوينة على فيسبوك “لاحظوا كمية الحقد والكراهية في برنامج قناة الحوار التونسي. التقرير الثاني كله سخرية صريحة... أدركت مؤامرة سامي الفهري (صاحب القناة) وسمير الوافي. فقررت إفشالها”. ويحاول الحامدي الترويج لنفسه كزعيم وطني وهو مأ أفسده عليه مقدم البرنامج.

في المقابل، كتب الإعلامي التونسي سمير الوافي، مقدم البرنامج على صفحته في فيسبوك “انسحب الدكتور الهاشمي الحامدي بعد حوالي ساعة وربع الساعة تقريبا من بداية الحلقة. كانت الأسئلة في البداية محرجة وجها لوجه معه، لكنه تحمّلها وتقبلها ودافع وأجاب بحماس وبروح رياضية رغم بعض الانفعال أحيانا... وهو الذي طلب منا استضافته من لندن قبل قدومه، ففعلنا ولم نحرمه من حقه في الحضور ككل السياسيين”.

وأضاف الوافي “ولكنه بمجرد دخول الضيوف في الجزء الثاني من الحلقة، وهم سنية بن تومية ورضا الملولي ومراد الحطاب الخبير المالي، غضب واحتج على تقرير طريف جمعناه فيه بتومية، وانزعج من اتهامات الملولي له بنيل أموال من بن علي ومن دولة عربية أخرى موّلته. وانسحب بعد وصلة من الصراخ والشتائم والاتهامات والاحتجاج استهدفتنا. وبكل احترام تعاملنا مع غضبه وتحملنا احتجاجه، رغم أنه رمى الميكرو علينا وشتمنا”. وسخر الوافي من الحامدي الذي وفر دعاية مجانية للبرنامج عبر صفحاته الاجتماعية مدفوعة الثمن.

وكتب على فيسبوك “أريد أن أشكر الهاشمي الحامدي على ما بذله من جهد ومال للدعاية لبرنامجي من خلال صفحته التي يدفع ثمن كل منشوراتها (sponsorisés) لتصل إلى أكبر عدد من الناس وهو يدفع بسخاء… وقد كتب الحامدي أكثر من تدوينة عن برنامجي فزاده دعاية وانتشارا… لذلك أريده أن يغضب ويتوتر ويشتمني أكثر في صفحته فيدفع أكثر ونستفيد من الدعاية أكثر… ونشكره أكثر”.

الهاشمي الحامدي: أدركت مؤامرة سامي الفهري وسمير الوافي فقررت إفشالها

وحصلت الحلقة على رقم قياسي من المشاهدات. ويقول مراقبون إن “المشاهدين في تونس يهوون الفضائح”. وفي تدوينة له كتب الوافي “مرة أخرى رقم قياسي في نسبة المشاهدة… أكثر من 3 ملايين شاهدوا حلقة الليلة… شكرا على كل ردود الفعل المختلفة”.

وفي الآونة ذاتها، أصبح الإعلام في تونس ساحة صراع يسعى من خلالها كل إعلامي إلى تحقيق السبق بطرق مختلفة.

ويقول مراقبون إن المشهد الإعلامي، يتسم بالحيوية، لكنّه مليء بالتناقضات.

وكان الوافي سجن هذا العام على خلفية قضية ابتزاز واحتيال على رجل أعمال تونسي يعيش في الخارج ما أثار النقاش حول علاقة الإعلاميين برؤوس الأموال.

في الأثناء، تواجه صناعة الإعلام اليوم تحديات قانونية ومهنية وأخلاقية. وتستغل قوى متنفذة الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها صحف ومواقع إلكترونية لشراء الوسيلة أو ذمم صحفيين. كما يستمر تداخل الرأي الشخصي بالعمل المهني في مشهد يعكس غياب ثقافة المهنية الإعلامية.

وهناك مخاوف من تصاعد سيطرة “المحاصصة السياسية” على مؤسسات إعلامية خاصة، وغزو من يسمون بـ”إعلاميين مأجورين”، يبيعون أقلامهم لمن يدفع أكثر.

وتكررت حالات مغادرة الضيوف من السياسيين للبرامج التلفزيونية بسبب رفضهم بعض الأسئلة، أو لما يعتبرونه تجاوزا في حقهم من قبل الإعلاميين.

من جانب آخر، يتهم الإعلاميون في تونس بالتواطؤ مع الأحزاب القوية المتمثلة خاصة في النداء والنهضة وتهميش الأحزاب المعارضة الأخرى.

وفي هذا السياق، استغرب رئيس مكتب الاتصال بحزب التيار الديمقراطي المعارض، الناشط السياسي حمزة ترايعية من أن “أحزاب معارضة تعرف بشراستها في نقد أداء الحزب الحاكم، ولها نواب يمثلونها في مجلس الشعب، لا تقع دعوتها، بل يتم في المقابل شيطنتها”، على حد قوله.

وأطلقت في تونس حملة “ويني المعارضة في الإعلام”. ويقول مراقبون إن الإعلام الخاص في تونس بعضه يشوه الحقائق ويمارس التضليل والابتزاز والتطبيل، إما انتصارا لموقف “نداء تونس” وإما لحركة “النهضة”، الشريك الثاني في التحالف الرباعي الذي يدير الحكومة منذ 2014.

من جانبه، أعرب نقيب الصحفيين التونسيين ناجي البغوري، عن مخاوف النقابة من “محاولات تدخل السلطة في تونس في الخط التحريري للإعلام العمومي وإقصاء المخالفين”. وفي تصريحات صحفية أضاف البغوري “وصلتنا شكايات من قبل الزملاء الإعلاميين حول وجود ضغوط تمارس عليهم من قبل السلطة تذكر بأساليب نظام بن علي، على غرار ملاحظات أو تذمر من رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة لعدم تغطية النشاط الرئاسي للرئيس أو لرئيس الحكومة وللوزراء، ومطالب بإعطائهم أكثر مساحة في النشرات الإخبارية، وهو ما اعتبرناه مؤشرا خطيرا لعودة بسط السلطة يدها على الإعلام ومحاولة تدجينه”.

من جانبه نفى مدير القناة الوطنية التونسية الأولى، إيهاب الشاوش، أن يكون هناك أي تدخل للحزب الحاكم في السياسة التحريرية للتلفزة الوطنية بقناتيها الأولى والثانية. وشدد الشاوش على التزام معدي البرامج السياسية بالحياد وبالوقوف على مسافة واحدة من جميع الأحزاب.

في المقابل، يقر إعلاميون بأن نشرة أخبار القناة الأولى (الوطنية) الممولة من الخزينة، تبقى الأكثر متابعة، وحيدا وإنصافا في التعامل مع الأطراف السياسية

18