معارك البرلمان الجديد تكبح عجلة حكومة الجملي

مناوشات كلامية بين كتل نيابية تكشف عن حجم الصراعات الحزبية والأيديولوجية التي يغرق فيها البرلمان التونسي.
الخميس 2019/12/05
مناخ للصراعات

تونس – كشفت المناوشات الكلامية بين كتل نيابية خلال جلسة خصصت للمصادقة على مشروع موازنة 2019 مساء الثلاثاء، عن حجم الصراعات الحزبية والأيديولوجية التي يغرق فيها البرلمان التونسي المنتخب حديثا، ما ينبئ بأن معارك البرلمان الجديد ستكبح عجلة الحكومة القادمة.

وقرّرت كتلة الحزب الدستوري الحرّ، الأربعاء، تنفيذ اعتصام مفتوح داخل البرلمان على خلفية مناوشات كلامية مع نائبة عن حركة النهضة.

وأفادت وسائل إعلامية أن مناوشات كلامية وقعت بين عبير موسي رئيسة كتلة الدستوري الحرّ (17 نائبا من أصل 217)، والنائبة جميلة الكسيكسي عن حركة “النهضة” (54 نائبا)، خلال جلسة المصادقة على مشروع الموازنة.

وقالت موسي في تصريحات إعلامية إنها “لن تنهي الاعتصام إلا بعد اعتذار رئاسة البرلمان ونشر ذلك كتابيا”.

وأثارت مداخلة لـ”الكسيكسي”، خلال جلسة الثلاثاء، فوضى وجدلا إثر تعليقها على مداخلة لـ”موسي” في إطار مناقشة مشروع الموازنة.

وقالت “الكسيكسي” متوجهة في مداخلتها لنواب الدستوري الحرّ “هناك أشخاص في البرلمان كلوشارات وباندية (صعاليك ومنحرفون)، تعوّدوا على الدكتاتورية لا يعرفون الديمقراطية، وهم مصيبة جاءت لهذا البرلمان”.

وجاءت مداخلة “الكسيكسي” تعليقا على كلمة لـ”موسي” قالت فيها إن “صفقات تجري بين الكتل النيابية في كواليس البرلمان حول تشكيل الحكومة، غيّرت على ضوئها بعض الكتل (لم تذكرها) موقفها من مشروع الموازنة من الرفض إلى القبول”.

من جانبها، عبرت رئاسة البرلمان في بيان عن “أسفها لما صدر من تجاوزات خلال أعمال جلسة الثلاثاء داعية الجميع إلى احترام النظام الداخلي”.

ويجمع المتابعون على أن صراعات الأحزاب داخل برلمان مشتت تشارك فيه عائلات سياسية متنوعة، ستعيق عمل الحكومة المرتقبة، وهي المهمة التي كلفت النهضة الحزب المعني بتشكيل الحكومة، الحبيب الجملي للقيام بها.

لكن تبدو مهمة الجملي صعبة حيث يواجه مخاضا صعبا لمحاولته إقناع أحزاب بأطياف سياسية مختلفة، بقبول المشاركة في حكومة ائتلافية ترأسها النهضة.

عبدالحميد الجلاصي: مناخات البرلمان الجديد تؤشر على صعوبة العمل الحكومي
عبدالحميد الجلاصي: مناخات البرلمان الجديد تؤشر على صعوبة العمل الحكومي

وأشار القيادي بحركة النهضة عبدالحميد الجلاصي في تصريح لـ”العرب” إلى أن “مناخات مجلس البرلمان لا تؤشر فقط على صعوبة العمل الحكومي بل حتى على ديمومة البرلمان”.

ويلاحظ الجلاصي أن “المؤشرات الأولية بخصوص عمل البرلمان كانت سلبية”. ويتابع “البرلمان الفارط غادر بصورة سلبية كرست خفّة الطبقة السياسية ولامسؤوليتها فعوقبت في انتخابات أكتوبر الماضي، والمفروض أن يكون الجميع قد فهم الدرس. للأسف لا يبدو ذلك”.

مع ذلك وعلى رغم حدة التجاذبات الحزبية، يتوقع الجلاصي أن “ينتبه العقلانيون في البرلمان، وهم يمثلون الأغلبية، إلى خطورة منزلق ترذيل المجلس وتجنب السقوط في الفخ الذي تنصبه الأصوات الفوضوية”.

واعتبر الجلاصي أن “إحدى المهام الوطنية المشتركة هي أعادة الاعتبار للعمل السياسي الذي يميز بين التنافس المطلوب والتآكل المدمر”.

ويرى المراقبون أن ما يضع العصا في عجلة حكومة الجملي هي الخلافات الأيديولوجية التي تجددت مع بداية أشغال البرلمان إضافة إلى الشروط التي تتمسك بها الأحزاب الصاعدة بالمشهد السياسي للدخول في ائتلاف حكومي.

وتعارض الأحزاب الصاعدة عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة والتي احتلت المراتب الأولى في البرلمان الجديد الدخول في تحالف مع حركة النهضة، ما يعقّد مشاورات تشكيل الحكومة.

وتضع أحزاب محسوبة على الخط الثوري مثل التيار الديمقراطي شروطا للدخول في ائتلاف حكومي من بينها أن تكون وزارات السيادة من نصيبها.

وقال محمد عَبُّو، أمين عام حزب التيار الديمقراطي (اجتماعي ديمقراطي) الأربعاء، إن الحزب ما يزال متمسكًا بالحصول على ضمانات وثلاث حقائب وزارية للمشاركة في الحكومة المقبلة بقيادة الحبيب الجملي.

ولم تفرز نتائج الانتخابات التشريعية أغلبية واضحة رغم فوز النهضة، كما يطغى على المشهد السياسي في البرلمان الجديد حضور عدة أحزاب فاقدة لعنصر التجانس في ما بينها. ويصعّب هذا الأمر على حركة النهضة ضمان أغلبية حاكمة.

وعودة الخلافات الأيديولجية بين الأحزاب تعّقد بدورها مهمة الحكومة الجديدة، التي يترقب الشارع كيفية تعاطيها مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.

ويحذر المراقبون من أن الخلافات الحزبية وخاصة ذات الطابع الأيديولوجي، ستعمل على مزيد توسيع الهوة بين الشارع ونخبه السياسية، حيث مل التونسيون التهاء الأحزاب بتصفية حساباتها والبحث عن تموقع في مشهد جديد، فيما لا يبدو أن هناك اهتماما بأزمات ومشاغل الشارع الحقيقية.

وهناك عداوة قائمة بين حركة النهضة الإسلامية والحزب الدستوري الحر الذي يمثل واجهة النظام السابق قبل الثورة، ومن شأن هذه الخلافات والانقسامات أن تشل عمل البرلمان الجديد.

4