معارك البشر تنتقل إلى الهواتف

نداء الواجب.. لعبة إلكترونية تكتسح العالم خلال أيام وتتفوق على أشهر الألعاب القتالية السابقة.
السبت 2019/10/19
ثقافة الألعاب القتالية موجودة بالتأكيد في جريمة مسجدي نيوزيلندا

هو حدث ترقبه الكثير من رواد الألعاب الإلكترونية حول العالم، وخصوصا ممن هم عشاق لفنون القتال الحربي، حدث طال انتظاره بالمقارنة مع التطور الكبير الحاصل في مجال الهواتف النقالة. أخيرا وبعد انتظار طويل، أصبحت لعبة “نداء الواجب” الشهيرة متاحة عبر متاجر الهواتف الذكية، وهذا التأخير كان بمحض إرادة الشركة المالكة، وليس لعدم القدرة على مجاراة التطور التكنولوجي إطلاقا، فهي أقدم وأعرق لعبة قتالية عرفها التاريخ.

هوس القتال

أطلقت شركة “أكتيفيجين بليزارد”، لعبة “نداء الواجب” في الأول من شهر أكتوبر الجاري، عبر متجري “آب ستور” من أبل، و”غوغل بلاي” من أندرويد، ولاقت نجاحا هائلا لم يسبق له مثيل من قبل، وتفوقت على أشهر الألعاب القتالية السابقة من “ببجي” وغيرها، حيث حققت “نداء الواجب” أكثر من 100 مليون تنزيل في الأسبوع الأول من إطلاقها، وهذا الرقم بالتأكيد كبير جدا، والسبب الأول لذلك هو اسم اللعبة العريق والمتواجد في السوق منذ أكثر من 16 عاما، يمكن القول إنها باتت علامة تجارية في حد ذاتها، وهي تتطور في كل عام وتسابق ما في ذهن محبيها ولاعبيها، لتقدم ما يجعلهم يشترونها دون تردد.

التطور الهائل الذي تقدمه "نداء الواجب" في كل عام يوازي تطور جهاز الألعاب "بلاي ستيشن"، وهي تقدم في كل نسخة محاكاة أكثر للواقع، ما يجذب اللاعبين ويجعلهم مدمنين عليها أكثر

“نداء الواجب” انطلقت مع ثورة جهاز الألعاب “بلاي ستيشن”، ومن ثم توفرت على جهاز آخر هو “الإكس بوكس”، وهي تعتبر اللعبة القتالية الوحيدة التي استطاعت الاستمرار بنجاح، إلى جانب لعبة كرة القدم “الفيفا”، كما أن التطور الذي تقدمه “نداء الواجب” في كل عام يوازي تطور جهاز الألعاب “بلاي ستيشن”، وتقدم في كل نسخة محاكاة أكثر للواقع، وهذا يجذب اللاعبين ويجعلهم مدمنين عليها.

يمكن القول إن نجاح بعض ألعاب الهواتف في مجال العنف والقتال، هو ما أجبر صناع “نداء الواجب” على التنازل والدخول إلى سوق مهمّة، وهي متاجر التطبيقات الذكية، واتخذوا القرار وطوروا لعبتهم الخاصة بنمط الباتل رويال، وذلك بالتعاون مع شركة “أكتيفيجين”، وهي نفس الشركة المطوّرة للعبة “الببجي”، التي كانت على قائمة الألعاب الأكثر تحميلا على الهواتف، ولكن هذا تغيّر بعد دخول “نداء الواجب” هذا المجال الحديث.

لعبة ذات مخاطر نفسية

الكثير من الأهالي يشتكون من أن أبناءهم يتذمرون من أبسط الطلبات أو حتى من أداء أقل الواجبات المنزلية، لأنهم يرغبون فقط في الجلوس أمام الشاشات ومشاهدة إطلاق النار والقتل حتى النهاية دون مقاطعة، مع التخلي التام عن المسؤوليات.
الكثير من الأهالي يشتكون من أن أبناءهم مدمنون على الألعاب

رغم أن الدراسات التي أجريت حول هذه اللعبة قليلة جدا، ولكن توجد العديد من الدراسات حول ألعاب القتال والعنف بشكل عام، والتي وجدت أن تأثيرها السلبي كبير بالفعل، فهي تعمل على زيادة العنف والانعزال عند الأطفال، كما تقلل من الحركة ما يؤدي إلى زيادة الوزن، وتؤثر على نظام النوم، وتدمر الساعة البيولوجية للطفل. وبذلك يكون لها أثر سلبي على النمو، وتكمن الخطورة في تلك الألعاب في مسألة الجلوس لساعات طويلة أكثر من اللعبة في حدّ ذاتها. وكثيرا ما ينصح أخصائيو علم النفس الأهالي بالبحث عن أسباب العنف المتولدة عند الطفل، ويكون أول سؤال يطرح عليهم، هل طفلكم له هوس بألعاب القتال والعنف، ووجدت دراسة بريطانية أن 80 بالمئة من أسباب العنف لدى الأطفال هو التعلق بهذه الألعاب الإلكترونية، وأساليب الجذب البصري المحترف يستحوذ على انتباه الأطفال وبعض الكبار أيضا.

لكن في الوقت نفسه ينصح المختصون بأن منع الأطفال من هذه الألعاب الإلكترونية القتالية مرفوض دون وجود بدائل، فقد يكون البديل المناسب على سبيل المثال الأندية الرياضية والحدائق، أو دروس الموسيقى، أو الأنشطة العائلية.

ألعاب الفيديو من نمط لعبة “نداء الواجب” التي تتميز بقدر كبير من العنف واستخدام الأسلحة النارية وغيرها من الأسلحة البيضاء، تشترك في أنها تنمي الجانب الشرير لدى اللاعب، خاصة أن ألعاب البقاء التي تجعل اللاعب يرى في القتل والعنف وسيلة وحيدة للنجاة والفوز.

وتنمية العنف عند اللاعبين مختلف من خلال تعاطيهم مع مختلف أنواع الأسلحة، لذلك سجلت الكثير من التحقيقات جرائم حقيقية بأسلحة متنوعة وتبيّن أن فاعليها هم من مدمني الألعاب الإلكترونية القتالية.

خطورة الإدمان على “نداء الواجب” تتركز بخلقها هوسا عند اللاعب يجعله يقضي ساعات طويلة خلف شاشة الكمبيوتر أو الهاتف المحمول مؤخرا، وأولى نتائجه التذمر الزائد، حيث أفاد الكثير من الأهالي بأن أبناءهم يتذمرون من أبسط الطلبات أو حتى من أداء أقل الواجبات المنزلية، لأنهم يرغبون فقط في الجلوس أمام الشاشات وإطلاق النار والقتل حتى النهاية دون مقاطعة، والتخلي التام عن المسؤوليات، حيث يتخلى مدمن هذه الألعاب الإلكترونية عن مسؤولياته تجاه عائلته، كما أن التراجع الدراسي عند الأطفال والمراهقين هو نتيجة تعلقهم بمثل هذه الألعاب، وقد توصلت إليه أغلب الدراسات التي تناولت مخاطر ممارسة الألعاب القتالية الإلكترونية.

ويتضمن الإصدار الجديد للعبة “نداء الواجب” مشاهد لطواقم رجال الدفاع المدني في سوريا؛ “الخوذ البيضاء”، وهم يحاولون إنقاذ المدنيين الجرحى من جرّاء القصف. “الخوذ البيضاء” هي منظمة دفاع مدني تتألف من آلاف المتطوعين، وتعمل على إنقاذ المدنيين في مناطق النزاع السوري.

الإصدار الجديد للعبة يتناول الحرب الدائرة في سوريا، ويظهر فيه أفراد “الخوذ البيضاء” أثناء أدائهم لعملهم وخلال تعرضهم لقصف جوي من الطائرات.

وتتطلب النسخة الجديدة من لعبة “نداء الواجب” مساحة تخزينية كبيرة على جهاز الكمبيوتر، فيما تصل إلى 175 غيغابايت، الحجم الذي يتجاوز حجم التثبيت لأي لعبة أخرى مشابهة.

مهاجم نيوزيلندا

ثقافة الألعاب القتالية موجودة بالتأكيد في جريمة مسجدي نيوزيلندا
ثقافة الألعاب القتالية موجودة بالتأكيد في جريمة مسجدي نيوزيلندا

تطور السلوك العدواني والعنيف في شخصية الأطفال والمراهقين نتيجة ما يتعرضون له من محتوى عنفي عبر لعبة “نداء الواجب” وشبيهاتها، من الممكن أن تحوّل بعض اللاعبين إلى مجرمين يرتكبون جرائم قتل أو الشروع فيها، ما يستدعي إلى الذهن مهاجم مسجدي مدينة كرايست شيرش في نيوزيلندا، الذي قام بفعلته العنيفة، وهو يستمع للموسيقى ويصور على الهواء مباشرة تفاصيل جريمة قتله لمصلين بدم بارد، مستبدلا خزائن أسلحته بكل أريحية، ويقضي على أنين الجرحى دون رحمة، وكأنه يمارس ألعاب الفيديو القتالية رغم المذبحة التي ارتكبها، ويصور لقطات لها جمالية لعبة “نداء الواجب”، لكن سرعان ما يصبح من الواضح بشكل مرعب أن ما يجري تصويره ليس عملا خياليا، بل لقطات حقيقية بثها منفذ الهجوم لتفاصيل جريمته التي بدأها من سيارته، على غرار عمليات القتل في ألعاب الفيديو بعد أن نشر بيانا ندد فيه بالمهاجرين ووصفهم بالغزاة.

كانت ثقافة الألعاب القتالية موجودة بالتأكيد في ارتكاب جريمة نيوزيلندا، وكانت البندقية المرئية في اللقطات التي بثها منفذ الهجوم لا تذكر إلا بألعاب إطلاق النار، ورغم تشكيك الكثيرين في أن ألعاب الفيديو تلعب دورا مباشرا في الهجمات الإرهابية، فإن الثقافة التي يستهلكها أيّ شخص تتحدث عن كيفية القيام بذلك في حياته اليومية، ومن البديهي أن مخاطر هذه الألعاب من هذا النمط تعتبر أكثر تأثيرا على الأطفال والمراهقين منها على الكبار، لكن الكبار ليسوا بمعزل عن الإدمان على ألعاب الفيديو العنيفة مثل لعبة “نداء الواجب”، بل التأثر بها يقودهم إلى خراب الحياة الزوجية والعائلية وهذا ما نشرته بعض التحقيقات الصحافية في وسائل الإعلام الغربية والعربية.

هناك دراسات أخرى وجدت أن وجود الإشراف العائلي والمتابعة المستمرة من شأنهما أن يحميا الطفل من هذه الألعاب مهما بلغت خطورتها، وينصح الأخصائيون بإعطاء الطفل وقتا محددا لممارسة هذه الألعاب، لكونه يرى زملاءه في المدرسة يلعبونها، وتبقى مراقبة الأهل لطفلهم في أي أمر من شأنها إبقاءه في دائرة آمنة، حتى لو كانت هذه الألعاب تشجع على العنف.

12