معارك الرسائل في سوريا

الرسائل المتبادلة بين الروس والأتراك والأميركيين في الشمال السوري، تعكس نوعا من التفاهم على ترسيم جديد للحدود التركية الجنوبية في إطار صفقة واضحة المعالم تقسم مناطق الشمال بين المحتلين الثلاثة.
الثلاثاء 2019/09/03
تفاهمات جديدة

عندما تقصف الولايات المتحدة فصائل مسلحة في إدلب فإنها لا تحارب الإرهاب كما تدعي وإنما توجه رسالة مباشرة إلى الروس والأتراك هناك. الرسالة تقول باختصار إن يد واشنطن تطول أي بقعة سورية وهي تعرف ماذا تخطط له الدولتان غرب نهر الفرات، وبالتالي فإن أي تنسيق بينهما في هذه المنطقة، أو في الشمال السوري عموما، يمكن أن يهدم بلحظة واحدة إذا شعرت الولايات المتحدة بأنه يستهدف قواتها ومصالحها أو يستهدف حلفاءها الأكراد.

الروس هم من أشعل حرب الرسائل في سوريا، وهم من حول الحوار بين المحتلين للبلاد من جهة، وبين المحتلين والأطراف السورية من جهة أخرى، من لغة التفاوض إلى الرسائل العسكرية والسياسية غير المباشرة. صحيح أن الرسائل أبلغ وأمضى من المفاوضات أحيانا، ولكنها لا تحمل حلولا للأزمة ولا تفرض على المتراسلين أي التزامات إنسانية أو قانونية. فهذه الرسائل قوامها أفعال قابلة للتأويل إلى تفسيرات عدة تصل إلى حد التناقض أحيانا.

بدأت حرب الرسائل عندما حلّقت أول مقاتلة روسية فوق سماء سوريا قبل أربع سنوات. قرأ العالم حينها في رسالة موسكو أنها جاءت لمحاربة الإرهاب، ولكن حتى يومنا هذا لم تغلق قوائم الإرهاب الروسية في سوريا. بقيت روسيا تلاحق “الإرهاب” في سوريا وبقي خصوم دمشق يردون على رسائل الروس بما يحمي مصالحهم، وليس بما يخدم المعارضة أو يحاول إيجاد حل للأزمة التي يصح القول إنها الأكثر تعقيدا في التاريخ الحديث للشرق الأوسط.

منذ سبتمبر 2015 توالت الرسائل الروسية في سوريا وكلها أثرت على مسار الأزمة. بدءا من تشكيل معارضة حميميم وإرسالها إلى جنيف، ثم إطلاق مفاوضات أستانة وسوتشي بحجة أن الحوار السوري يرتبط بأجندته وليس بمكانهّ، مرورا بمناطق خفض التصعيد وبعدها تعديل هيئة التفاوض للمعارضة وتطعيمها بمنصتي موسكو والقاهرة، وصولا إلى اختزال مفاوضات جنيف باللجنة الدستورية، وأخيرا استرداد مناطق المعارضة وصولا إلى إدلب.

الردود على رسائل المحتل الروسي من قبل المحتلين الآخرين، أميركا وإيران وتركيا وإسرائيل، أثرت هي الأخرى في مسار الأزمة وتتحمل ذات المسؤولية السياسية والأخلاقية والعسكرية في كل ما جرى ويجري للسوريين من قتل وموت وتدمير وتشريد. لم يكن للسوريين في أزمتهم سند حقيقي بين خصوم دمشق أو حلفائها، فماذا يلزم أي دولة غربية أو عربية بصدق الدعم لعصابة تحكم السوريين في الداخل، أو مرتزقة يتحدثون باسمهم في الخارج؟

بالعودة إلى الرسالة الأميركية في إدلب فقد جاءت ردا على الهدنة التي منحتها روسيا لتركيا من أجل حل جبهة النصرة وتذويبها بين فصائل أخرى لم تدرج في قوائم الإرهاب الروسية حتى الآن. لماذا استفزت الهدنة “الرسالة” الروسية في المدينة الولايات المتحدة إلى هذا الحد؟ ربما لأنها تخفي تفاهما روسيا تركيا يمتد على أكثر من مناطق غرب الفرات، خاصة وأن أكراد الشمال عادوا يطالبون موسكو بإحياء مفاوضاتهم مع دمشق لعلها تجد لهم حلا يحميهم من الأتراك، ولا ينتقص من الاستقلالية التي ينعمون بها في ظل الاحتلال الأميركي.

أزبدت وأرعدت موسكو على القصف الأميركي، ولكن رسالة واشنطن وصلت بوضوح إلى الروس والأتراك. فعدم وجود قوات أميركية فوق أي بقعة في سوريا لا يعني بأي حال من الأحوال أنها مشاع للتقاسم دون أخذ رأي واشنطن. والفقرة الثانية في الرسالة تقول إن التنسيق الروسي التركي غرب الفرات سيؤثر على التنسيق الأميركي التركي شرقه، وبالتالي ليس بمقدور رجب طيب أردوغان أن يبتز واشنطن بالصور التي التقطها مع فلاديمير بوتين وهما يتناولان “الآيس كريم” في روسيا.

بشكل عام تعكس الرسائل المتبادلة بين الروس والأتراك والأميركيين في الشمال السوري، نوعا من التفاهم على ترسيم جديد للحدود التركية الجنوبية في إطار صفقة واضحة المعالم تقسم مناطق الشمال بين المحتلين الثلاثة، سواء كان ذلك تمهيدا لإقامة طويلة الأجل لهم في سوريا، أو استعدادا لحل أزمة البلاد بعد رسم خارطتها على أسس ديمغرافية مختلفة عما عرفناه قبل عام 2011. في الحالتين ستتفرغ روسيا أكثر بعد هذا الاتفاق إلى ملفات أخرى في سوريا.

ولا تبدو معرفة الملفات التي تهتم بها موسكو بعيدا عن مناطق الشمال أمرا صعبا إذا ما تتبعنا رسائلها في سوريا، ليس فقط تلك الموجهة إلى الدول التي تشاركها احتلال البلاد، وإنما أيضا التي توجهها للأطراف السورية، وخاصة النظام الذي دفعته روسيا مؤخرا إلى الاستيلاء على ثروات رجالاته من أجل تسديد فاتورة حمايتها له، كما أجبرته على جملة من التغييرات والتنقلات في أجهزته الأمنية والعسكرية كي تضمن ولاء أكبر لها بين صفوف الجيش والمخابرات.

على ضفة المعارضة فإن أبلغ الرسائل الروسية التي وصلتها، هو تهميش هيئة التفاوض إلى حين اكتمال تشكيل اللجنة الدستورية. وعندما يتم ذلك ستكتشف الهيئة أنها لم تعد تمثل إلا نفسها وأقصى ما يمكن لها أن تحلم به هو جنسيات أجنبية تتيح لأعضائها الاستقرار في الدول التي يعيشون فيها. أو ربما تجد لهم روسيا آلية ما للتصالح مع دمشق والعودة إلى حضن الوطن “الأسد”.

8