معارك المنابر الجديدة

الأربعاء 2015/10/07

في كل يوم نفتح فيه نافذتنا على العالم الجديد.. عالم التواصل الاجتماعي.. نجده وقد اكتظّ بالجديد من التقليعات والمعارك الكلامية التي تشـد المرء من ياقته وتلهيه عن واقع يومه المكتظ بالكثير الأهم والأجدى..

فرقعات إعلامية.. خبر قديم يتم الالتفات إليه فجأة.. صورة فوتوشوب تفجر فضيحة تمسّ شخصا معروفا.. أو تصريحات نارية لمسؤول تقلب صفحات الفيسبوك إلى فرق متناحرة من شتامين ومدافعين.. خبر مفبرك لا يتم التأكد من صحته يحول حياة الصفحات الى جحيم من ردود الأفعال والكلام البذيء والحروب الطائفية.. معلومة تأريخية غير صحيحة تضج بها الصفحات ويشاركها الآلاف وقد ملأتها تعليقاتهم الساخنة.. تسجيل فيديو بائس يثير قضية حساسة يشتعل مذيـَّلا بتعليقات عجيبة غريبة تجعل المرء يعيد النظر بكل ما تعلم أو ما مر به من تجارب في حياة واقعية لا تمت لعالم التواصل الجديد إلا بالتفرج والصدمة والاندهاش.. حتى أصبح لنسبية اينشتاين آلاف بل ملايين الوجوه واختلط حابل الحقيقة بنابلها بشكل عجيب..

كيف لا؟ وقد أصبحت هذه الصفحات بمثابة منبر مفتوح لمن لا منبر له؟.. فقد صار بوسع أي شخص أن يقول فيه ما يشاء ويفبرك ما يشاء ويروج لما يشاء.. ليكتمل المشهد مشفوعا بإعجاب أو سخط الجماهير المحتشدة أمام شاشاتها الزرقاء أو هواتفها المحمولة كل من موقعه ولسبب يخصه ربما وحده..

ولا شك أن يكون الكثير من المساهمين في تلك المعارك مدفوعين بنواياهم الحسنة أو وطنيتهم الساذجة أحيانا.. بيد أن ثمة في أحيان كثيرة من يقف وراء الباب متلفعا بتلابيب اسم مستعار يتعمد طرح فكرة تقلب الدنيا رأسا على عقب أو تشعل حرائق المهاترات وتذكي نيران الشتائم والتنابز بالألقاب والأعراق حد أن يتعدى الأمر الكلام ليغزو الأرض بحروب حقيقية تحصد الأرواح والبلاد!

لاشك أننا لا نتشابه في اهتماماتنا إزاء هذه العوالم وقد أصبحت أوطانا بديلة للكثيرين منا بعد أن استبيحت الأوطان.. فثمة من لا يعنيه منها أكثر من التفرج على صور لمائدة عامرة بلذيذ الطعام أو سفرة جامعية أو تجمع عائلي.. وثمة من يبحث عن مواقع هزلية أو ألعاب.. أو من يبحث عن الصفحات الرصينة كمواقع الكتب وصفحات روائع الأدب والفكر والفن.. مثلما ثمة من يرمم عواطفه العطشى بعلاقات افتراضية وحتى حقيقية.. لكن ما يعنينا هو ذلك الذي لا يدخر وسعا في الترويج للأفكار الهزيلة والمعلومات المغلوطة التي قد تكون هي الشرارة الأولى لتلك المعارك التي تعزز تدني المفاهيم القيمية وتساهم في تدهور المجتمع.. وتدير الزيت على واقع عربي من جهل وثقافة عامة سطحية هشة..

ذلك المدّ الجارف يجعلنا نعيد النظر دائما في ما يجول فلا نأخذ كل شيء على عواهنه.. ويتطلب منا الانتباه دائما والتعامل بدقة وعمق أكبر.. فالكلمة مسؤولية.. ولنا جميعا أن نأخذ أبعادها بعين الحذر واليقظة..

وطالما أننا فتحنا على أنفسنا هذه النافذة وارتضينا الدخول في لعبتها.. فلماذا لا نحاول أن نتفهم الآخر المختلف ونتقبله ونسعى معه إلى بناء وتعميق فكرة الحوار الهادئ البناء؟.. من يدري؟.. قد تكون هذه العوالم هي أولى خطواتنا لاستيعاب فكرة الديمقطراطية التي عجز سياسيونا ومؤسساتنا على الأرض عن بنائها داخل مجتمعاتنا..

21