معارك دانكيشوطية لا تستحق أن تخاض

الأحد 2015/01/11

اختلط الحابل بالنابل في العلاقات المغربية المصرية. غبار المعارك الدانكيشوطية يحجب رؤية الواقع في حقيقته. بعض الأخوة المصريين هم أول من أثاروا غبار هذه الحرب البليدة، عندما انحازوا إلى أطروحات أعداء المغرب، بشكل صريح وواضح. العيون التي نظروا بها إلى قضية الصحراء المغربية، ليست عيونا مصرية أصيلة، على الإطلاق، وإنما هي عيون أجهزة الدعاية الجزائرية التي وفرت لهم كل شيء، ليقولوا كل شيء تريد منهم أن يقولوه، في حق المغرب قيادة وشعبا، وفي حق قضاياه المقدسة وثوابته الوطنية. فجاءت تصريحاتهم وكتاباتهم على مقاس الأطروحات الانفصالية المغرضة.

يرى البعض في هذا مجرد زوبعة في فنجان، وهذا صحيح، غير أن الزوابع، مهما بدت غير ذات تأثير، يمكن أن تتولد عنها زوابع أخرى، بدافع الرد، أو دافع الانتقام. وغالبا ما تحدد القوى التي أثارت الغبار والتوتر مجال الرد عليها، غير أن النبيه هو من يأخذ حذره، حتى لا يقع في الفخ، فيتوجه إلى ما هو أهم وأبقى، بدل التافه والهامشي، إذ بذلك يكشف تهافت منطق الخصوم أمام مختلف الأوساط المعنية بالقضية التي هي محور الجدال والصراع، على اعتبار أن انكشافه هو النصر الحقيقي للقضايا الوطنية العادلة مثل قضية المغرب الوطنية.

في كل الأحوال، فإن الإعلاميين المصريين الذين تم الاحتفاء بهم في الجزائر وملحقاتها، ليسوا أبرز إعلاميي مصر، والفنانون الذين ركبوا موجة الإساءة الى المغرب ليسوا خيرة فناني مصر وإنما هم دون ذلك بكثير. وهذا معطى أساسي ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند التصدي للحملة الدعائية التي يتعرض لها المغرب بقيادة الآلة الدعائية والدبلوماسية الجزائرية التي لم تتوقف عن هذه العادة السيئة لأكثر من أربعة عقود عجاف في نهاية الأمر.

من هنا فإن الرد المغربي ينبغي أن يكون في مستوى التحديات الحقيقية، لا أن ينزلق إلى الإطار الذي حدده أولئك الذين انخرطوا في جوقة السخف الجزائري ضد المغرب.

فمما لا جدال فيه انكشاف دجل وتهافت منطق نمط من الإسلام السياسي جسده الإخوان في ممارساتهم من على سدة السلطة وفي جحور الإرهاب والجريمة المنظمة، في مصر وغيرها من البلدان ولو بتفاوت بين هذا البلد وذاك. هذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها للشعب المصري الذي أسقط أقنعة تجار الدين، ولا ينبغي لأي كان عندنا أن يبذل أدنى جهد لإعادة تثبيت الأقنعة الزائفة على وجوه المتاجرين بكل القضايا، مع أول تاجر مستعد للتعامل في المحيط، وفي الخارج البعيد.

وموقف المغرب مما جرى في مصر، من حراك سياسي، وثورة شعبية، لم تمله عليه تقارير بعض الإعلاميين، من هنا أو هناك، بل أملته ذهنية الانخراط في المشروع الحداثي الديمقراطي السابق على حراك مصر وغيرها وقراءة المشهد السياسي المصري في ضوء هذه الذهنية هي التي ساهمت في بلورة الموقف المبدئي والعملي من الأحداث التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة. فهل يجوز لتقارير أو تصريحات هستيرية صادرة عن عدد من الإعلاميين الفاشلين في مصر أن تدفع المغرب إلى الانقلاب على مشروعه الفكري السياسي للإجابة على ترهات البعض؟ لا يبدو أن الأمور تسير في هذا الاتجاه ذلك أن المغرب الذي حنكته تجارب الصداقة والخصومة مع عدد من الدول يزن الأمور بميزان المصالح الاستراتيجية البعيدة عن أي استبداد للحظة ولو كانت مريرة في التعامل مع هذه الدولة أو تلك.

ولهذا، فرغم أن بعض أعناق الاتجاهات الظلامية بدأت تشرئب، مستفيدة من المعارك الدانكيشوطية التي أثارتها بعض وسائل الإعلام المصري والتي وجدت لها في بعض الجهات المغربية، مقابلا، أو ربما نظيرا، فالواقع المغربي يفيد أنه لا أمل بالانتصار أمام هذه القوى المعادية للمغرب ولمصر على حد سواء.

ولقد آن الأوان للعقلاء أن يتحركوا لتفويت الفرصة على محركي الفتنة وخاصة منهم من هيأوا لها كل أسباب الانطلاق والانتشار في الجزائر وتندوف.

ومهما يكن من أمر فإن كل المعارك الدانكيشوطية لا تستحق أن تخاض لما فيها من مضيعة للجهد والوقت وفقدان لبوصلة تحديد الاتجاهات بالدقة المطلوبة.

6