معارك طرابلس وسؤال الاعتدال

الأربعاء 2014/10/29

تنتمي الجماعات التي تقاتل الجيش اللبناني في معظمها إلى جبهة النصرة التي كان النائب وليد جنبلاط قد وصفها منذ فترة بأنها ليست إرهابية. حرص البعض خلال هذه المعارك على إحصاء أعداد المقاتلين الذين وصفوا أنهم ينتمون إلى “خلايا نائمة”، والخروج بنتيجة مفادها أن هذا العدد الذي لا يتجاوز الـ300 مقاتل، إنما يعني أن لا بيئة حاضنة للإرهاب في الشمال اللبناني. هذا كان الرد الأقصى على حملات حزب الله ضد المنطقة.

تنادى الجميع إلى دعم الجيش والوقوف وراءه والدعوة إلى مساندته. استغلت جبهة النصرة ورقة العسكريين المحتجزين لديها، وبادرت إلى استعمالها كورقة ضغط. راحت تحدد مواعيد للشروع في تصفية الجنود ثم تتراجع عنها وتحدد مواعيد جديدة متسببة في انهيار الأهالي والضغط عليهم، كما سربت صورا للجنود الأسرى وهم يبكون. التدخلات التي حالت دون تنفيذ النصرة لتهديداتها كانت من قبل قطر وهيئة العلماء المسلمين.

ما أسفرت عنه المعارك التي لازالت مستمرة كان تهجير آلاف الأهالي من أماكن سكنهم تمهيدا لتحويلها إلى ركام، إضافة إلى حصيلة كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين واستشهاد ضابطين وتسعة جنود. المعارك كانت قد بدأت في مناطق ذات طابع تجاري حساس، بحيث يمكن أن يؤدي أي توتر أمني إلى خسائر كبيرة، فكيف يكون الحال حين تصبح هذه المناطق ساحة لحرب حقيقية؟

هل كان هذا السيناريو غريبا ومفاجئا؟ اللافت أن قيادة الجيش والقوى السياسية تعلن أنه ليس كذلك. قيادات قوى الثامن من آذار تتباهى كذلك بأنها كانت قد حذرت من مثل هذا الأمر، وها هو يحصل بدقة كما توقعت. تعلن أنه “في حال لم تدعم السعودية وحلفاؤها الجيش فإنهم سيدفعون الثمن، لأن الإرهابيين في الشمال على تماس مع تيار المستقبل وليس مع حزب الله”.

ما يطالب به الحزب الإلهي الذي يرفع لواء دعم الجيش حاليا، هو أن تخوض السعودية والجيش اللبناني والبيئة السنية التابعة لتيار المستقبل معركته في الداخل اللبناني، وتتركه متفرغاً لمقاتلة السوريين في سوريا تبعاً لإستراتيجيته التي كان السيد حسن نصر الله قد حددها في دعوته الشهيرة إلى التقاتل في سوريا.

يخشى حزب الله بقوة انتقال المعركة ضده إلى لبنان، لذلك حرص في كل ما صدر عنه من نشاط أمني وسياسي إلى خلق جبهة لبنانية داخلية، تقوم بتحويل مسار هذه المعارك عن مناطقه إلى المناطق التي كان يتهمها على الدوام بأنها البيئة الحاضنة للتكفير، وقد حرص على خلق توتر بين البيئة السنية والجيش اللبناني وإظهار نفسه بمظهر المدافع عن الشرعية. لجأ الحزب إلى كل هذه اللعبة من أجل تخفيف الضغط عنه، ما يمكنه من متابعة تنفيذ مشروعه الأساسي في الدفاع عن بشار الأسد، استجابة لأوامر الولي الفقيه.

تم الاتفاق لبنانيا على تطبيق خطة أمنية عامة وشاملة، ولكن سرعان ما بدأت هذه الخطة تتخذ طابع الحرب على فئة ضد فئة، ما دفع بوزير الداخلية نهاد المشنوق الذي كانت محاولاته للوصول إلى تسوية أمنية مع حزب الله قد تسببت له بانتقادات واسعة إلى القول بأن هذه الخطة باتت تطبق على طرف دون آخر. لم يجد تيار المستقبل قياداته في ظل كل هذا الوضع إلا العزف على وتر دعم الجيش.

يحارب تيار المستقبل مع الجيش، الإرهاب السني، وكذلك يفعل حزب الله في لبنان وفي سوريا، فهل نعيش لحظة توافق مع الحزب ومع بشار الأسد على توصيف للإرهاب يحصره في الطائفة السنية، ما يستتبع تالياً الموافقة على تشريع مشاركة الحزب في الحرب ضد الشعب السوري، وربما يستتبع بعد ذلك الموافقة على اعتبار نظام الأسد نظاماً علمانياً تنويريا.

لا نفهم لماذا لا يمكن لكل التضحيات التي بذلها تيار المستقبل وفريق الرابع عشر من آذار أن تتوصل إلى تحقيق استثمار سياسي واضح يسمح، على الأقل، بالخروج بتوصيفات واضحة للإرهاب وخصومه. حزب الله والد “القديسين” قتلة الرئيس الحريري، والذي دبر اغتيالات كل شهداء فريق الرابع عشر من آذار والمتحالف مع نظام الأسد الذي كان يسعى عبر مخطط سماحة المملوك إلى خلق سعار مذهبي طائفي شامل في لبنان بين كل مكونات المجتمع البناني، لا يزال قادرا على صناعة التصنيفات، وتحويلها إلى أمر واقع يجبر الجميع على التعامل معه.

صنع حزب الله توصيف الإرهاب وأعطاه وجها سنيا خالصا، فما كان من تيار المستقبل إلا أن اتخذ موقف الدفاع وراح يبالغ في نشر وإشاعة خطاب الاعتدال دون معالجة أسباب الانفجار. تحول الصراع من صراع بين اعتدال سني يمثله تيار المستقبل، وتطرف شيعي يمثله حزب الله، إلى حرب بين اعتدال سني يوصف بأنه “حاضن للإرهاب”، وبين تطرف سني خالص في حين بقي الحزب صانع الإرهاب والمؤسس له خارج المعادلة.

الصراع السعودي القطري في المنطقة جعل المشكلة ترتدي طابعا سنيا سنيا. السعودية مهتمة بتصفية الإخوان ومن يناصرهم، وقطر مهتمة بتقوية نفوذها ودعم الإخوان والتنظيمات المناصرة لها التي تعتبر جبهة النصرة أهمها. تمخض عن هذا التنافس بعثرة جهود القوى التي تقاتل الأسد في سوريا وتشتتها، والسماح له بإعادة تنظيم صفوفه والمساهمة في “استيلاد” داعش التي صارت حجة العالم ضد الثورة السورية، وضد السنة بشكل خاص.

لعل الكلام الأميركي الذي أدلى به جو بايدن ثم عاد واعتذر عنه يعبر، فعليا، عن وجهة النظر الأميركية حيال المنطقة، وحيال السنة بشكل خاص. لا طرف سنيا معتدلا إذن، فكيف يمكن لسعد الحريري أن يكون معتدلا ويسوّق للاعتدال في لبنان دون أن يصب هذا المسار في مصلحة حزب الله؟ يحتاج مفهوم الاعتدال لإعادة إنتاج قبل أن يصبح جزءا من سياق زجلي شعري منفصل عن عالم الوقائع الفظة.


كاتب لبناني

9