معارك فكرية ضد موجات ظلامية هدامة

برزت في السنوات الأخيرة مجموعة من أخطر القضايا والأزمات والشخصيات التي شغلت الرأي العام المصري والعربي. أزمات اختلط فيها الفن والسياسة والإعلام بالدين، فكان هذا الخلط بيت الداء. في هذه الأزمات والحوادث والوقائع ذات البعد الديني بشكل أو بآخر، ارتفعت وتيرة المواجهات وزادت مساحة الانقسامات تحت راية الدين، ووجدنا أنفسنا إزاء شخصيات أقامت الدنيا ولم تُقعدها بمواقف وتصريحات تجاوزت خطوط الدين المحظورة بالنسبة إلى الكثيرين.
الثلاثاء 2016/04/26
احتراق الفكر المستنير

يتطرق الباحث ياسر ثابت في كتابه “حرائق التفكير والتكفير” إلى حوادث وممارسات وتجاوزات أثارت جدلا واسعا، مثل “فتنة رفع المصاحف”، وجريمة القتل الطائفية في أبوالنمرس، ووقائع محرقة ابن رشد الجديدة للكتب في المدارس، فضلا عن إعداد دراسة موسعة لواحدة من أخطر أدوات المتطرفين لإثارة الأزمات، ونعني بذلك القنوات الدينية، التي تحوّل بعضها إلى منصات للتعصب والتحريض.

ويمتد قوس الأزمات والصراعات التي يتناولها الكتاب ليشمل عددا لا يستهان به من حروب التفكير والتكفير، وجرائم جماعات الإرهاب باسم الدين، وأخطرها تنظيم “داعش”، الذي ارتكب جرائم مروعة من القتل الوحشي والتمثيل بالجثث.

يفتح كتاب “حرائق التفكير والتكفير”، الصادر عن دار اكتب، ملف قضايا ازدراء الأديان في مصر التي أثارت موجات من الجدل والانقسام في صفوف الرأي العام في مصر. يقول المؤلف في كتابه “بدا أن الأحكام الثلاثة ضد إسلام بحيري وفاطمة ناعوت وأحمد ناجي، عودة لقضايا الحسبة التي تهدّد حرية التعبير والفكر والمعتقد وقيم حقوق الإنسان”.

الشعر الجاهلي والأديان

منذ البداية مثّل عميد الأدب العربي، طه حسين ظاهرة ثقافية ثورية. كان كتابه “في الشعر الجاهلي” الذي صدر في أبريل 1926 محل بحث ونقد، أسال حبرا كثيرا، وصل إلى حدّ التجريح والتطاول على صاحبه، وتكفيره.

سرعان ما شكّل خصوم طه حسين لجنتين لدراسة كتابه‏،‏ وتقدموا يوم ‏10‏ مايو بتقرير عنه إلى رئاسة مجلس الوزراء‏،‏ الأمر الذي دفع صاحب “في الشعر الجاهلي” إلى أن يوجه كتابا لمدير الجامعة بعد يومين ينكر فيه ما جاء في هذا التقرير من أنه تعمد إهانة الدين والخروج عنه وأنه يُعلِّم الإلحاد في الجامعة.

غير أن هذا الإنكار لم يقع موقع التصديق من الأزهر وعلمائه، فقد وصل الأمر بأحد علماء الأزهر أن خاطب صاحب الكتاب مؤاخذا على افتتاحه واختتامه “دون أن تذكر اسم الله ولا أن تصلي على نبي المسلمين ‏(‏صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ مرة واحدة‏ (‏وواحدة فقط‏)‏ يا دكتور خبّرني عما بقي فيك من آيات المسلمين‏!”.‏

طه حسين ونصر حامد أبوزيد وفرج فودة ومحمد أحمد خلف الله ومنصور فهمي من بين الذين اتهموا بمعاداة الإسلام وازدرائه

واكب ظهور “في الشعر الجاهلي” عملية الانتخابات التي لم تلبث أن أفرزت برلمان عام ‏1926‏ ذا الأغلبية الوفدية‏،‏ وكان له موقف وأي موقف من طه حسين وكتابه‏.‏ فقد تعرض الرجل لهجمة عنيفة من أعضاء مجلس النواب‏،‏ خاصة من الوفديين‏.‏

حققت النيابة مع طه حسين في 19 أكتوبر من العام 1926، وحُفِظت القضية بعد أن حظي طه حسين برئيس نيابة يُدعى محمد نور أقام التحقيق معه، قرأ الكتاب جيدا، وفهم ما فيه، فدرأ عنه تهمة الطعن في القرآن.

من بين الذين اتهموا بازدراء الأديان الكاتب والباحث الأكاديمي الراحل نصر حامد أبوزيد، الذي ظل لسنوات طويلة مستحضرا مشهد اغتيال فرج فودة، هذا المفكر الذي تتشابه أفكاره مع أبي زيد كثيرا، ما اضطره إلى ترك مصر والعيش في الخارج خوفا من تكرار مشهد اغتيال الفكر.

في تسعينات القرن العشرين، أثار أبوزيد زوبعة بكتاباته في الفكر الإسلامي والديني ومعارضته سلطة النص المطلقة، أدّت إلى صدور قرار من محكمة الأحوال الشخصية بتطليقه من زوجته الباحثة ابتهال يونس، بعد أن اعتبر مرتدا عن الإسلام، فاضطرّ إلى اللجوء معها إلى هولندا إثر ذلك الحُكم.

وعندما قدم أبوزيد أبحاثه بعنوان “نقد الخطاب الديني” للحصول على درجة الأستاذية تكونت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة أبرزهم رئيسها عبدالصبور شاهين، الذي اتهم في تقريره أبوزيد بالكفر، وحدثت القضية المعروفة التي انتهت بمغادرته مصر إلى المنفى، منذ 1995 بعد حصوله على درجة أستاذ بأسابيع.

معالجة الموضوعات والمحظورات الدينية ليست آمنة

وانشغلت الأوساط العلمية والفكرية في مصر والعالم العربي بالقضية، خصوصا أن عبدالصبور شاهين أرفق اتهامه بالردة لأبي زيد تقريرا تضمن “العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة والدعوة لرفضهما. والهجوم على الصحابة، وإنكار المصدر الإلهي للقرآن الكريم، والدفاع عن الماركسية

والعلمانية وعن سلمان رشدي وروايته (آيات شيطانية)”.

وعلى إثر هذا التقرير نشأت معركة فكرية واسعة بين أنصار نصر حامد أبوزيد وبين المؤيدين لتقرير شاهين، وطالبته لجنة مكونة من 20 عالما من الأزهر بإعلان التوبة عن بعض الأفكار التي وردت في كتابه “مفهوم النص” ورأوا أنها مخالفة لأحكام الدين الإسلامي.

اغتيال الدولة المدنية

قبل نصر حامد أبوزيد، خاض الراحل فرج فودة معركة طويلة مع التفكير والتنوير والبحث في مجال العلوم الإسلامية، وله كتابات عديدة مسلسلة في هذا السياق.

عقد الراحل مناظرة ضمن فعاليات معرض الكتاب عام 1992، بعنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”، ومثّل فيها الدولة المدنية: فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله، ومثّل الدولة الدينية كل من: الشيخ محمد الغزالي، ومأمون الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وقتها، ومحمد عمارة. وخلال المناظرة تم التحريض على فرج فودة، واتهامه في دينه وأفكاره وعقيدته، إلى أن وقعت جريمة الاغتيال بعد ستّة شهور تقريبا، وتحديدا يوم 8 يونيو 1992.

وبرز اسم محمّد أحمد خلف الله سنة 1947 إثر مناقشة رسالته للدكتوراه عن “الفنّ القصصي في القرآن الكريم” تحت إشراف أستاذه في التفسير بجامعة فؤاد الأوّل، القاهرة حاليّا، أمين الخولي، حيث أثارت هذه الرسالة ردود فعل عدة رافضة لما جاء فيها وصلت حدّ التكفير. أما منصور فهمي (1886- 1959) فقد سافر إلى باريس للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة من السوربون. كانت أطروحته للحصول على درجة الدكتوراه لها صدى واسع وهي “أحوال المرأة في الإسلام” عام 1913 تحت إشراف ليفي برول.

على إثر هذا الجدل الذي أحدثته جذرية أطروحته، مُنِع منصور فهمي من التدريس بالجامعة المصرية آنذاك بعد عمله بها لمدة عام. ولم يعد إلى التدريس في الجامعة، إلا بعد ثورة 1919 وذلك في العام 1920. وقد تدرج في عمله الجامعي إلى أن صار عميدا لكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم اختير مديرا لدار الكتب المصرية، ثم مديرا لجامعة الإسكندرية، إلى أن أحيل على التقاعد عام 1946.

14