معارك فيسبوك وجه آخر للحرب في ليبيا

معارك على تويتر مدفوعة الثمن أبطالها حسابات وهمية معروفة لا يشارك فيها الليبيون تجندت لتشويه الجيش الليبي وحشد الرأي العام الخليجي ضد المشير خليفة حفتر.
الجمعة 2019/04/19
التحريض على الجريمة

الجميع في ليبيا مقاتلون، لكنهم أيضا محللون على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة موقع فيسبوك. إذ بموازاة الحرب على أرض الواقع تحتدم المعارك أيضا على شبكات التواصل الاجتماعي.

طرابلس - بالتزامن مع المعارك العنيفة الدائرة في جنوب العاصمة الليبية طرابلس بين قوات المشير خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق الوطني، تحتدم المعارك على شبكات التواصل الاجتماعي.

ويبقى فيسبوك الوسيلة الأولى للاطلاع على الأخبار بالنسبة للسكان، رغم غياب الضمانات حول صدقية ما ينشر عبره. كما يعد الموقع سوقا مفتوحة لبيع السلاح.

وسبق لآمر كتيبة “ثوار طرابلس”، هيثم التاجوري، أن قال في تدوينة على حسابه على فيسبوك إن “مخازن السلاح مفتوحة من الألف إلى الياء”.

يذكر أن الجزء الكبير من فوضى السلاح التي تشهدها ليبيا حاليا بدأ بعرض وقبول إلكتروني”.

ويدرك طرفا النزاع أهمية مواقع التواصل الاجتماعي، ويمسك بعض مقاتليهم السلاح بيد والهاتف باليد الأخرى لتصوير ما يحدث.

ويقول خبراء اجتماعيون إنّ العديد من الشبان الليبيين أصبحوا مهووسين بحمل السلاح في زمن الفوضى، وإنّ العديد منهم مارس عمليات قتل، وإطلاق نيران عشوائية، محتمياً بجماعات وميليشيات انضمّ إليها لتأمين قُوتِ يومه، وهذا يعني نشوء جيل ليبي اعتاد العيش خارج إطار القانون آمنا من العقوبة، مما سيُلقي بظلاله القاتمة على المجتمع الليبي خلال العقدين القادمين.

وبات كل شيء مباحا لضرب مصداقية “العدو” أو ضرب معنوياته.

وقال المحلل الليبي عماد بادي “صحيح هناك موجة تضليل إعلامي تروج عبر الشبكات الاجتماعية، لكن السبب أيضا يكمن في أن كل طرف استثمر الكثير للتأثير على وسائل الإعلام لتعتمد الرواية التي تناسبه”.

ويجعل ذلك من شبه المستحيل تمييز الخبر الصحيح من الكاذب.

وراجت عبر شبكات التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي ثلاثة أشرطة فيديو في الوقت نفسه ومن المكان نفسه من الجبهة، لكن مع روايات مختلفة تماما.

ففي شريط أول هناك مشهد لا يكاد يصدق، حيث يظهر مقاتلون من الجانبين وهم يتوقفون فجأة عن التقاتل ويتعانقون وسط هتافات “ليبيا واحدة”.

ويصور الشريطان الآخران مقاتلي الطرف الآخر وهم يسلمون أسلحتهم ويستسلمون.

لكن الأسلحة تغلبت على النوايا الحسنة حيث لم تستمر لقطة العناق إلا بضع دقائق. وتبقى ملابساتها غير مفهومة. ومع ذلك يعلق أحد مستخدمي الإنترنت “أيا كانت الرواية الحقيقية للوقائع، انتصرت ليبيا الموحدة على الأقل لبضع دقائق”. وتبادل الطرفان المسؤولية إثر سقوط قذائف الأربعاء على أحياء سكنية بجنوب العاصمة ما خلف ستة قتلى.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي انتصب الكثير من رواد الإنترنت خبراء عسكريين يحاولون من خلال خرائط ونوعية السلاح إثبات أن الطرف الآخر هو المسؤول عن القصف.

ويمضي البعض أبعد من خلال بث رسائل كراهية أو حض على العنف وسط غياب العقاب السائد في البلاد الغارقة في الفوضى منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في 2011.

وتقول ميس عبدالفتاح (26 سنة، طالبة بجامعة الزاوية-غرب) إن “عدم إجبار المستخدم على الكشف عن هويته على الشبكات الاجتماعية يشجع الناس على الانخراط في خطاب الكراهية وحتى التحريض على الجريمة”. وتضيف “المستخدمون السيئون للشبكات الاجتماعية (…) يأخذون راحتهم، حيث يطمئنون بأن لا أحد سيحاسبهم على ما يقولون وينشرون العديد من الأكاذيب والافتراءات، وهو غالبا ما يحدث في ليبيا”.

وينشر كل معسكر الكثير من الصور لمقاتلين جرحى أو قتلى أو أسرى، على فيسبوك في مسعى لإثبات انتصاره.

وتتحكم مؤسسات تابعة للدولة في استخدام الإنترنت كما تراقبه جهات أمنية تسيطر عليها في الواقع جماعات مسلحة.

القنوات الليبية إما متأخرة في نقل الأخبار لبضع ساعات وإما أنها منحازة لفريق ضد الآخر لدرجة أنها تصبح مهزلة ومبعثاً للسخرية

وعلى تويتر تدور معركة أخرى لا يشارك فيها الليبيون إلا في ما ندر، إذ إنها على الأغلب معركة مدفوعة الثمن أبطالها حسابات وهمية معروفة بمهاجمتها لدول خليجية من بينها السعودية خاصة، وتجندت في الفترة الأخيرة لتشويه الجيش الليبي وحشد الرأي العام الخليجي ضد المشير خليفة حفتر.

وعلى غرار رواد الإنترنت اختارت كل قناة تلفزية معسكرها، ما يصعب الحصول على معلومات موثوقة. وهي تنشر أحيانا أشرطة فيديو أو صورا دون أدنى تحقق من صحتها، لمجرد أنها تخدم معسكرها.

ولا تلعب الصحف أي دور في ليبيا وليس هناك وجود يذكر للمؤسسات الإعلامية الليبية المستقلة في البلاد حيث يتعرض الصحافيون غالبا لتهديدات من جماعات مسلحة أو مسؤولين لا يرضون بأي انتقاد لأدائهم. لكن في الآونة الأخيرة أصبحت تونس مركزا لعدد من وسائل الإعلام الليبية.

ويرى كريم وهو شاب من رواد مقهى على شط البحر بإحدى ضواحي طرابلس بعينيه المركزتين على هاتفه، “لا جدوى من تشغيل التلفزيون، فالقنوات الليبية إما متأخرة في نقل الأخبار لبضع ساعات وإما أنها منحازة لفريق ضد الآخر لدرجة أنها تصبح مهزلة ومبعثاً للسخرية خاصة للمشاهد الذي ينتمي أو يشجع الخصم الآخر”.

ورغم الإشاعات التي تملأ الشبكات الاجتماعية، فإن البعض نجح في استخدامها بشكل جيد لمصلحة السكان. فقد أسست مجموعة من الشبان الليبيين في 2016 موقع “المسار الآمن” (سايف باث) الذي يضم 162 ألف عضو في فيسبوك. وهو يتيح خلال المعارك الحصول على فكرة عن الطرق التي يتعين تفاديها بسبب المعارك.

19