معارك وهمية: متى يكتشف المثقفون المعيار

الأحد 2015/06/21

لا تملك سوى الدهشة وأنت تتابع الكثير من المعارك الوهمية في حياتنا الثقافية، أحيانا أشعر أننا نستهلك أنفسنا في سجالات عقيمة، أو لعلّنا نهرب من قضايا حقيقية وأساسية لنشغل الناس بحكايات عبثية، يحدث ذلك بحسن نية في بعض الأوقات، ولكنك لا تستطيع أن تستبعد سوء النية، وكأن المثقفين ينقصهم المزيد من التشتت والفوضى، وكأنهم يحتاجون إلى أن تسوء صورتهم لدى الناس أكثر فأكثر.

خذ مثلا موضوع الجوائز الأدبية، بالذات في مجال الرواية، الخبر الجيد هو تعدد هذه الجوائز، ونجاحها إلى حد كبير في ترويج فن الرواية، وتقديم خلاصة للنشاط الإبداعي العربي الروائي بشكل معقول، وعلى مدى عدة سنوات، ودفع مئات القراء إلى اكتشاف الروايات واقتنائها، ومناقشتها بصورة جادة، وتشجيع الناشرين على مواصلة جهدهم في مجال الرواية، ونشر المزيد من الأعمال الأدبية الجديدة، كل ذلك جيد وإيجابي، ولكنّ هناك كالمعتاد أخبارا سيئة، بدا واضحا أن تعدد الجوائز، وكثرة الجهات التي تمنحها، أقرب ما يكون إلى المكايدة والتباهي، أكثر منه محاولة جادة للإضافة إلى الحياة الثقافية، جائزة البوكر العربية، بجوائزها المالية، دفعت الدويلة الصغيرة إلى اصطناع جائزتها، وبمبالغ أكبر، وكأن المال يزيد من القيمة الأدبية، وبالتأكيد سيخرج من يكتب مثمّنا أهمية هذه الجائزة، وسيدافع آخرون عن البوكر باعتبارها الأصل، ستتحول الجوائز الأدبية، ولعلها تحولت فعلا، إلى حرب قبلية، لم يعد الجدل حول فلسفة الجوائز ومضمونها وأهدافها، ولكنه ينحصر في منافسة شكلية بحثا عن مناطق نفوذ أبعد ما تكون عن الأدب أو الثقافة، يستفيد الروائيون بلا شك من هذه الجوائز، ولكنها ستفقد قيمتها بمرور الوقت، أخشى أن نعود إلى أيام جوائز صدام حسين ومعمر القذافي، التي حصل عليها مثقفون كبار، ثم اتضح لهم ما كان معروفا للجميع، بأن الجوائز ليست إلا محاولة لتبييض السواد، وأنها مجرد أدوات للتجميل والتباهي الأجوف، أتوقع في السنوات القادمة جوائز أكثر، مثلما حدث في المهرجانات السينمائية، وأتوقع حروبا ضروسا بين الكتاب والمثقفين، وجدلا لا ينتهي انتصارا لهذه الجائزة أو تلك، وفي النهاية لن نحصد سوى الثرثرة الفارغة، فلا الجوائز تستطيع أن تضفي قيمة على رواية ضعيفة، ولا هي أيضا تستطيع أن تنزع القيمة عن عمل كبير لم يحصل عليها، أقول دائما إن اختبار الأدب والفن الأهم أمام الزمن، نجاحه الأكبر في صموده أمام الزمن، وبقاء أثره رغم مرور السنوات.

نجاح كتّاب هذه الروايات الحقيقي ليس في المحافظة على أرقام توزيعهم من رواية إلى أخرى، ولكن في تطوير أدواتهم وقدراتهم الإبداعية، في الإضافة إلى فنّ الرواية شكلا ومضمونا

لا أطالب بوقف جوائز الرواية، ولا بتقليل قيمتها المادية، إنني أرجو فقط أن نتوقف عن الجدل والمشاكسة، أتمنى فحسب أن يكون المعيار الفني هو أساس الاختيار، وليس المكايدة أو جبر الخواطر، ربما يكون مجديا أكثر ألا تكون الحكاية مجرد جوائز، وأن تتاح ميزانيات أكبر تعطي فرصة النشر لمن يستحق ويستأهل، قيمة أي جائزة تتحدد بعدد الأسماء المستحقة التي حصلت عليها، وليس بأموالها الضخمة، أتصور أيضا أن الجوائز لا يجب أن تتركز في فرع واحد فقط هو الرواية، هذه رؤية قاصرة، وتكاد تكون زاوية تجارية تركز على الرائج والأكثر جماهيرية، أتمنى أخيرا ألا تتحقق نبوءتي بأن تفقد هذه الجوائز قيمتها مع كثرة اللغط والمعارك القبلية العربية المعتادة حولها، لن يكون ذلك سوى بإرادة ووعي حقيقي يرتبطان بأسباب ثقافية، وليست ترويجية أو دعائية.

من المعارك الوهمية أيضا هذا الانتقاد الحاد لما يطلق عليه الروايات عالية التوزيع، واعتبارها ظاهرة لا تنتمي إلى عالم الأدب، أخذت المعركة شكل المناظرات والمشاكسات، وأصبحت أيّ رواية تحقق مبيعات ضخمة، موضعا للتشكيك في قيمتها الأدبية، حتى قبل أن تقرأ وتناقش.

على الجانب الآخر، اعتقد كثيرون من أصحاب الروايات عالية التوزيع، أن هذا الرواج يمكن أن يكون بديلا عن تحديد قيمتها ووزنها الفني، فالمساجلة في رأيي تخلق صراعا وهميا، وكل أدب في العالم فيه هذا النوع من الروايات عالية التوزيع، وهو أمر ليس سيئا على الإطلاق، لأنه يضيف إلى سوق القراءة سنويا آلافا من القراء، وهناك بين هذه الأعمال ما يتميز بمستوى فني رفيع، أي أن سوق الروايات الرائجة، تنطبق عليه أيضا المقولة المعروفة “جيّده جيّد، ورديئُه رديء”.

نجاح كتّاب هذه الروايات الحقيقي في رأيي ليس في المحافظة على أرقام توزيعهم من رواية إلى أخرى، ولكن في تطوير أدواتهم وقدراتهم الإبداعية، في الإضافة إلى فنّ الرواية شكلا ومضمونا.

هذا التحدّي أكبر بكثير من المبيعات، لأنه معركة بين الروائي ونفسه، لا يجب أن يزعجنا انتشار روايات، أو تحقيقها لنجاح كبير في سوق القراءة، فلن يصمد في النهاية إلا الأفضل، ولا يجب تكسير مجاديف هؤلاء الكتاب، ومعظمهم من الشباب، ولكن لا بدّ من تقييم أعمالهم بشكل دقيق من الناحية الفنية والنقدية، ودفع الموهوبين منهم إلى مواصلة الكتابة، وصقل تجربتهم، وتطويرها باتجاه مغامرات أخرى مختلفة أفضل وأعمق، لا يجب أن ننسى أيضا أن قرّاء الرواية ليسوا على نفس الدرجة من التذوّق، هناك ألوان متعددة يجب أن تكون موجودة، يصدق هذا على سوق الأفلام مثلما يصدق على سوق الكتب، ولا يجب أيضا أن يتجاهل الناقد ما يستحق الكتابة عنه في كل لون من الألوان، سألت الراحل نجيب محفوظ في حوار منشور عام 1990 عن عبارة ظريفة قالها عن كتّاب القصة القصيرة، التي كانت وقتها تشهد رواجا هائلا في أعداد كتابها، يماثل رواج أعداد كتّاب الرواية في هذه الأيام، عبارة محفوظ هي “لو ألقيت حجرا من النافذة، لسقط بالتأكيد على رأس كاتب قصة قصيرة”، سألته “هل تعلن هذه العبارة عن الاعتزاز أم الاحتجاج على كثرة كتّاب القصة القصيرة في مصر والعالم العربي؟”.

تخطيط: ساي سرحان
أطلق محفوظ ضحكته المجلجلة المعروفة وقال “أنا قلت هذه العبارة؟”. ثم قال بلهجة وبطريقة أولاد البلد في مصر “اسم الله على كل كتّاب القصة القصيرة، لم أكن أقصد الاحتجاج بالتأكيد، أنا سعيد جدا أنه مع انتشار التعليم لا شك قد ظهرت مواهب كثيرة في مجال القصة القصيرة، على أيامنا وفى جيلنا، كان كتّاب القصة القصيرة لا يتجاوزون عشرة أدباء، الآن كتّاب القصة القصيرة يعدّون بالمئات، وعندما يعلن عن مسابقة يتقدم الآلاف، وهذا ينطبق أيضا على الشعر والمسرحية والرواية، كل هذه مواهب. لم لا؟ نحن عددنا في مصر مثلا قريب من عدد سكان فرنسا وإنكلترا، هناك يوجد بالعشرة آلاف كاتب في كل مجال من مجالات الإبداع الأدبي، صحيح ليس كلهم من المشهورين، وصحيح أن الذين يكسرون الحدود لا يتجاوز عددهم ثلاثة أو أربعة، ولكن الباقين ليسوا على الهامش، إذ أن لهم قراءهم، ومازالوا يكتبون ويصدرون كتبا تُباع وتروّج بأسمائهم.
أنا كما قلت سعيد جدا ومتفائل بمستقبل القصة القصيرة في مصر والعالم العربي، ولدينا كتّاب ممتازون، وخصوصا من الأجيال الشابة”. أحسب أن في كلمات محفوظ ما يحسم هذا الجدل العقيم، فلنترك مائة زهرة تتفتح، وفي النهاية لن يصحّ إلا الصحيح، ولن يبقى إلا الأفضل والأعمق والأجمل، كل قارئ جديد للأعمال الروائية البسيطة سيكون قارئا محتملا في مراحل قادمة للروايات الكبرى، المهمّ فقط أن تكون هناك حركة نقدية تفرز وتصنف وتقدم إلى القارئ أدوات الفرز والتصنيف، ألتقي دوما شبابا رائعين يسألون “ماذا نقرأ؟ ولمن؟”، هؤلاء يستحقون أن يبذل الناقد كل جهده معهم.

من المعارك الوهمية كذلك هذا الصراع الخطابي الفارغ حول المصطلحات والسياسات الثقافية، في مقابل غياب إرادة الفعل والتنفيذ، كل وزير للثقافة يبدأ عمله بلجان وتنظيرات ثم الإعلان عن خطط إستراتيجية طويلة المدى، يلتقط المثقفون طرف الخيط، فينهمكون في مناقشات وتراشقات وانتقادات، كل واحد منهم يريد أن يضع خطته الثقافية، وفي الغالب هي خطة نظرية بحتة، لا علاقة لها بما هو متاح فعلا من إمكانيات، بل إنها في بعض الأحيان قائمة على معلومات قديمة، قد تعود إلى مرحلة الستينات، مشكلة الثقافة في مصر ليست في البرامج، ولكن في إرادة وإمكانية التنفيذ، من الموضوعات المقرّرة والمكرّرة مثلا حكاية أزمة السينما، المدهش أن الكلام عن أزمة السينما قديم جدا، بل إن ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري الأشهر الراحل، عقد مؤتمرا مع السينمائيين حول نفس الموضوع في نهاية الستينات، طرحت فيه تقريبا نفس الحلول المكررة والمعروفة حتى اليوم، ظلت مشكلتنا دائما في أن الحلول معلنة، ولكنّ أحدا لا يستطيع أن يضعها موضع التنفيذ، إما لأسباب بيروقراطية معقدة، أو نتيجة ضعف الإمكانيات، أو لأن الوزير صاحب الحماس قصير العمر، سرعان ما يذهب مع وزارته، فيأتي وزير جديد، يعقد الاجتماعات، ويدير المناقشات، وتخرج نفس التوصيات السابقة، وقبل تنفيذها، يذهب الوزير، حلقة مفرغة عبثية لا يجرؤ أحد على كسرها.

كل نشاط ثقافي حقيقي يخصم من رصيد الإرهاب، وكل عشوائية وفوضى وعبثية تفرز أجيالا تائهة وضائعة وخاوية العقول والقلوب، أيها المثقفون

انتظمتُ لفترة من الوقت في حضور اجتماعات لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة، التي كنت عضوا بها، الحوارات على مستوى رفيع، والتوصيات رائعة، وخبراء متخصصون يناقشون معنا كل قضايا السينما السرمدية: من سرقة الفضائيات للأفلام المصرية دون ضابط أو رقيب، إلى تنظيم عمل المهرجانات وضبط الدعم الذي يقدم لها، ومن تحقيق حلم متحف السينما (السينماتيك) الذي أسمع عنه منذ كنت صبيا صغيرا، إلى استرداد وزارة الثقافة للأفلام والأستوديوهات ودور العرض التي انتقلت إلى وزارة قطاع الأعمال العام في ظل فوضى عصر مبارك، كلها قضايا خطيرة وهامة، ناقشناها من زواياها المختلفة، وقدمنا توصيات يمكن، دون مبالغة، أن تغيّر شكل السينما المصرية، عندما أنظر اليوم إلى ما تحقق فعلا أجده هزيلا، ما زالت وزارة الثقافة تخوض إجراءات استرداد الأصول السينمائية، ومازال السينماتيك المصري حلما أبديا تتوارثه الأجيال، ويبدو أنه لن يتحقق على الأقل في حياتنا، والعجيب أنهم خصصوا له بالفعل أحد المباني منذ سنوات، ومازالت الأفلام المصرية تسرق جهارا نهارا في الفضائيات، التي تحوّل بعضها إلى منابر لترويج الشعوذة والخرافات والأدوية الوهمية والمنشطات الجنسية، أما المهرجانات السينمائية فهي على كف عفريت، ويتباين الاهتمام بها صعودا وهبوطا حسب الظروف، ووفقا للإمكانيات المتاحة.

تنطبق فكرة “الجعجعة واللاّطحن” على حياتنا الثقافية كلها تقريبا، وعلى خطط نشر الكتاب وبناء قصور الثقافة، وليس في ما يتعلق بالسينما فقط، هناك فراغ ثقافي مفزع هو الذي فتح الطريق أمام التيارات المتأسلمة التي وجدت الساحة خالية تماما، فإذا أضفنا إلى ذلك انهيار التعليم، فإن “داعش” وأخواتها هي المحصّلة الطبيعية المنتظرة.

الداء والبلاء في حياتنا الثقافية، هو الجدل حول الفروع، وترك الأصول، الكلام والثرثرة، وغياب الفعل والتنفيذ، التنظير وليس التعامل مع الثقافة باعتبارها احتياجا حقيقيا، الداء والبلاء في معارك المثقفين الصغيرة، في حروبهم من أجل مقعد أو جائزة أو منصب أو وظيفة، في غلبة البهرجة الشكلية والاستعراضية على الأنشطة الثقافية، وتحويلها إلى ساحات جديدة للتنابذ والاختلاف والردح وربما الذهاب إلى المحاكم، كل نشاط ثقافي حقيقي يخصم من رصيد الإرهاب، وكل عشوائية وفوضى وعبثية تفرز أجيالا تائهة وضائعة وخاوية العقول والقلوب، أيها المثقفون.. استقيموا واعتدلوا يرحمكم الله.

كاتب وناقد من مصر

11