معاصر الزيتون التقليدية في المغرب تتأقلم مع التحولات التكنولوجية

لا يزال قطاع الزيتون يعتمد بشكل كبير على المعاصر التقليدية لإنتاج الزيت، لكن هذه الوحدات الإنتاجية تحاول اعتماد التكنولوجيا لتحسين جودة الزيت، والتقليل من المخاطر البيئية التي تتسبب فيها مخلفات عملية عصر الزيتون.
الثلاثاء 2017/01/17
العالم يتذوق الذهب الأخضر المغربي

فاس (المغرب)- مع حلول موسم عصر الزيتون ينطلق دوران ما يسمى بالمعاصر أو الوحدات التقليدية لعصر الزيتون واستخلاص الزيت على صعيد جهة فاس مكناس التي تستحوذ لوحدها على نسبة تقدر بـ36 في المئة من الإنتاج المغربي لزيت الزيتون، وتستمر عميلة استخراج زيت الزيتون في المغرب من شهر أكتوبر إلى شهر فبراير.

واستطاعت هذه المعاصر التقليدية لزيت الزيتون بجهة فاس مكناس التي يفوق عددها ألف وحدة أن تتأقلم مع التحولات التكنولوجية الجديدة في مجال عصر الزيتون، وبالتالي أن تحسن وتطور من آليات اشتغالها سواء تعلق الأمر بإنتاج الزيت الذي هو وظيفتها الأساسية أو بطرق ومقاربات لمعالجة مخلفات عملية عصر الزيتون التي أضحت أقل تلوثا.

في هذه المعاصر التقليدية، تنتصب آلة حجرية دائرية كبرى تتوسط صحنا خشبيا كبيرا مرتفعا على الأرض بحوالي المتر، في هذا الصحن الكبير توضع كميات الزيتون، لينطلق الحجر الكبير في الدوران لطحن الزيتون. وكان في السابق يتم تدوير هذا الحجر بواسطة الدواب، ثم تم استبدال الدواب بمحرك كهربائي للقيام بالدور نفسه. ولا يكف الحجر عن الدوران إلا بعد أن يتأكد العامل المشرف عليه، أن الزيتون قد طحن وصار مثل العجينة تدر الزيت.

ندرة المنتوج ترفعان من أسعار الزيت

بعد طحن الزيتون يتم حمله إلى آلات أخرى، وضعت على جانب آلة الطحن تسمى “المساور”، حيث يوضع الزيتون في قفاف مصنوعة من الحلفاء، وتوضع هذه القفاف واحدة فوق أخرى، يتوسطها لولب حديدي يتم إحكامه من طرف عامل في المعصرة، حتى تحتك “المساور” بعضها ببعض، فيبدأ زيت الزيتون في التقطير، فيما بقايا الزيتون تستقر في هذه المساور يتم إفراغها بعد ذلك.

بعد تقطير الزيت يتسرب عبر أنبوب وضع أسفل “المساور” ليصل إلى مخزن عبارة عن بئر صغيرة، لتصفيته قبل إفراغه في براميل يتم تجهيزها للبيع، أما بقايا الزيتون المسماة “الفيتور” فيتم بيعها لشركات كبرى لاستعمالها في صناعات أخرى أهمها مواد التجميل. وشكلت هذه الوحدات التقليدية لعصر الزيتون واستخلاص الزيت والتي تتواجد في العديد من المناطق في المغرب، على مدى عقود، مصدرا لاختلالات كبيرة بالنسبة إلى محطات معالجة المياه العادمة، وكانت بالتالي سببا رئيسيا لتلوث المياه والتربة وتدهور المحيط الإيكولوجي للمنطقة.

مخاطر "المرجان"

تتسبب مخلفات عصر الزيتون خاصة مادة “المرجان”، التي تنتج عن عملية استخلاص الزيت، في مشكلات بيئية وتقنية حقيقية تتجدد مع كل موسم جني الزيتون، فمجموعة من المعاصر كانت تتخلص من هذه المادة السامة على نحو عشوائي في عدة أودية، خاصة وأن معدل إنتاج هذه المخلفات يتراوح سنويا ما بين 80 و160 ألف متر مكعب.

وتخلف عمليات عصر الزيتون نفايات سائلة وصلبة وهي “المرجان” و”الفيتور”، وتؤكد العديد من الأبحاث العلمية أن مخاطر مادة المرجان، تتجلى في مكوناتها السامة والمعقدة من حيث تركيبتها، والمستعصية من الناحية العلمية على المعالجة، فهي تتسرب بدرجة متسارعة إلى باطن الأرض لتؤثر على جودة الموارد المائية الجوفية، علاوة على ما لها من آثار سلبية على جودة وخصوبة التربة وتدهور وضعية الأشجار والنباتات. فضلا عن الأضرار التي تلحقها بالسكان ومحيطهم. وتظهر ذات الدراسات والأبحاث أن مخلفات مادة المرجان، حمضية مرتفعة، وغنية بالمواد العضوية والمواد الجافة والأملاح، كما تحتوي على نسبة مهمة من المعادن الثقيلة، منها الزنك والحديد.

وأنجزت دراسة ميدانية في وقت سابق حول مخاطر نفايات زيت الزيتون، المعروفة بمادة “المرجان”، وخلصت الدراسة إلى أن مخاطر هذه المادة تفوق بـ100 مرة آثار التلوث التي تخلفها المياه العادمة المترتبة على الاستعمالات المنزلية بالوسط الحضري، وحسب الدراسة، فإن النتائج المترتبة على التخلص العشوائي من هذه النفايات تتمثل في إتلاف التربة وتدهور جودتها وغطائها النباتي، وتدمير النبات بفعل أملاح البوتاس المتسربة من المرجان بكثرة، وتلويث الفرشة المائية ومجاري المياه والسدود، والقضاء على الأسماك والطحالب وما شابهها من كائنات حية، وخنق قنوات الري نتيجة الخسائر التي تلحقها تراكمات مادة المرجان، وأثرها على تدمير تجهيزات السقي.

بحث الحلول لمعالجة المخاطر البيئية

ويظل وادي سبو الذي يتلقى هذه المخلفات من بين أكثر الأنهار تلوثا بالمغرب بنسبة تصل إلى 28 في المئة مما يجعله السبب الرئيسي لتلوث الحوض السفلي لمدينة فاس بنسبة تصل إلى 40 في المئة. ولمواجهة هذه الانعكاسات السلبية لمخلفات عصر الزيتون خاصة مادة المرجان على البيئة والمحيط الإيكولوجي، اعتمد أصحاب الوحدات التقليدية لعصر الزيتون العديد من التدابير والإجراءات التي استهدفت الحد من التأثيرات السلبية لهذه المادة على المياه والتربة.

وحسب أصحاب هذه الوحدات الإنتاجية التقليدية المتخصصة في إنتاج الزيتون، فإن عملية التبخير التقليدية لهذه المخلفات التي كانت أنجع تقنية يستعملها، إلى حدود اليوم، المهنيون لمعالجة مادة المرجان، أبانت عن عجزها ومحدوديتها سواء بالنسبة إلى النتائج المحققة أو بالنسبة إلى المردودية، مما أضحى يفرض التفكير في آليات تكنولوجية جديدة بإمكانها أن تضع حدا للتأثيرات السلبية الناتجة عن هذه المادة.

إجراءات حثيثة

ثمّن محمد الزهواني، صاحب إحدى الوحدات الإنتاجية التقليدية لعصر الزيتون، الإجراءات والتدابير التي اعتمدتها وزارة الفلاحة في المغرب للنهوض بالقطاع الفلاحي بشكل عام وقطاع الزيتون على وجه خاص، ما مكن الفلاحين الصغار وأصحاب معاصر الزيتون من تطوير تجهيزات ومعدات عصر الزيتون واستخلاص الزيت. كما ساهمت هذه الإجراءات، بشكل كبير، في تنمية وتوسيع المساحات المغروسة بأشجار الزيتون.

وأوضح الزهواني أن قطاع زيت الزيتون سجل على مستوى منطقة سايس تطورا ملحوظا خاصة على مستوى عصرنة آليات ومعدات الوحدات الإنتاجية، مشيرا إلى أن معدل الطاقة الإنتاجية لعصر الزيتون بلغ بجهة فاس مكناس 10 آلاف طن يوميا. وأضاف أن الوحدات الإنتاجية التقليدية المتخصصة في إنتاج زيت الزيتون أضحت تعتمد على آخر المستجدات التكنولوجية في عملية عصر الزيتون، مما قلص بشكل كبير من المخلفات التي يعاد في الغالب تدويرها وبالتالي المساهمة في الحد من التدهور البيئي الذي كانت تسببه هذه المخلفات.

ويتوفر قطاع الزيتون بفاس على بنيات جد مهمة في مجال الصناعات التحويلية منها قطاع تقليدي يتكون من أزيد من ألف معصرة تقليدية، بالإضافة إلى قطاع صناعي يضم المئات من الوحدات العصرية المتخصصة في زيت الزيتون وأخرى متخصصة في التصبير. وحسب الوكالة المستقلة لمراقبة وتنسيق الصادرات، فإن هذه البنيات والتجهيزات الحديثة مكنت جهة فاس مكناس من تصدير أكثر من 9 آلاف طن من الزيتون وزيت الزيتون خاصة باتجاه البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية.

آلاف طن من الزيتون وزيت الزيتون يصدرها المغرب إلى أوروبا

كما وفر قطاع الزيتون 15 مليون يوم عمل أي ما يعادل 55 ألف منصب شغل قار، بالإضافة إلى مساهمته في ضمان تزويد الوحدات الصناعية بمادة الزيتون. وتشكل أشجار الزيتون إحدى أهم الأشجار المثمرة بالمغرب باعتبارها تغطي مساحة تقدر بـ 590 ألف هكتار، أي ما يمثل نسبة 50 في المئة من المساحات المغروسة بالأشجار المثمرة. ويلعب قطاع الزيتون دورا مهما في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العديد من المناطق والجهات بالمغرب إلى جانب مساهمته في تحسين دخل الفلاحين وبالتالي الرفع من مستوى معيشتهم.

وقال حميد صبري، رئيس الجمعية المغربية لمنتجي الزيتون والاقتصاد في الماء (غير حكومية)، إن “هناك طلبا كبيرا على زيت الزيتون المغربي من أسواق عالمية، خصوصا روسيا والاتحاد الأوروبي، وفي الآونة الأخيرة أفريقيا”، مضيفا أن هذا الإقبال، إضافة إلى الطلب الداخلي المتزايد على هذه الزيوت “سيجعل أسعار زيت الزيتون ترتفع بشكل خيالي، تدريجيا”.

وأضاف حميد صبري، أن “هناك عناية كبيرة بزراعة أشجار الزيتون بالمغرب في السنوات الأخيرة، بدعم من الحكومة، من خلال مخطط المغرب الأخضر (مخطط حكومي للنهوض بالفلاحة والصناعات الفلاحية في المغرب يمتد من 2009 إلى 2020)، وخلاله تم زرع مساحات كبيرة بأشجار الزيتون تقدر بمئات الآلاف من الهكتارات”. وتابع صبري أن الجمعية المغربية لمنتجي الزيتون أشرفت على زراعة حوالي 17 ألف شجرة زيتون في إقليم (محافظة) العطاوية وحده، بدعم من الحكومة المغربية.

واعتبر أن هذا القطاع الفلاحي يواجه إكراهات كثيرة على رأسها “تعدد الوسطاء بين الفلاح المنتج والزبون، مما يرفع ثمنه في السوق الوطنية وحتى الدولية”. ويقول عبدالرحيم مشلوخ، صاحب معصرة زيتون، إن “ثمن زيت الزيتون هذا الموسم ارتفع إلى أقصى حد له، بسبب قلة المنتوج”، مشددا على أن “جودة زيت الزيتون هذا الموسم عالية”، وعزا مشلوخ هذا الارتفاع في ثمن زيت الزيتون والذي وصل إلى 50 درهما للتر الواحد (حوالي 5.5 دولار) بسعر الجملة، إلى كثرة الطلب الداخلي والخارجي، وضعف المحصول.

وأضاف أن كمية زيت الزيتون خلال هذا الموسم تتراوح بين 16 و18 لترا للقنطار (100 كيلوغرام) من الزيتون، مقابل ما بين 20 و22 لترا للقنطار في الموسم السابق. وبلغ محصول الزيتون بالمغرب خلال سنة 2015، حسب إحصاءات رسمية، مليونا و300 ألف طن، فيما بلغ إنتاج زيت الزيتون نحو 138 ألف طن. ووضع المغرب خطة للفترة ما بين 2009 و2020، من أجل زرع مليون و200 ألف شجرة زيتون، بغية إنتاج 2 مليون و500 ألف طن من الزيتون، بما يتيح توفير 330 ألف طن من زيت الزيتون.

20