معاقبة الأسر أداة الحكومة المصرية لمنع تسرب الأطفال من التعليم

حرمان أسر تبعد أطفالها عن الدراسة من الدعم المادي، وحل أزمة الأطفال المتسربين لا يأتي بفرض عقوبات فقط.
السبت 2018/05/12
الأسر الفقيرة تشجع أبناءها على التسرب من المدرسة

لا يبالي أحمد شعبان، وهو حارس عقار بحي عين شمس جنوب القاهرة، بتهديدات الحكومة بمنع الدعم عن أسرته، حال استمر في موقفه الرافض لتعليم أبنائه الأربعة، بذريعة أن “وجودهم إلى جانبه لمساعدته في توفير متطلبات الأسرة من خلال الأعمال الحرفية، أفضل بكثير من الإنفاق على تعليمهم”.

الأب، مواطن بسيط من جنوب مصر، قدم إلى القاهرة ومعه أسرته، حاملا معه الأفكار التي تنتشر وسط قطاع عريض من سكان صعيد مصر الفقراء، بأن تعليم الأبناء، خاصة الإناث، شيء استثنائي، تتحكم فيه رغبات رب الأسرة، والفتاة عند هذه الفئة مكانها المنزل قبل المدرسة غالبا.

وكانت غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي مؤخرا، هددت الأسر التي تتراخى في تعليم أبنائها بقطع الدعم المقدم لها من الحكومة، في صورة مساعدات مالية أو سلع غذائية مدعومة، وقالت “حرمان هؤلاء من هذه الميزة، يدفعهم إلى وقف ظاهرة التسرب من التعليم، باعتبار أنه إلزامي وليس خيارا للأسرة”.

ولا تختلف نظرة حارس العقار لتهديدات وزيرة التضامن كثيرا عن ردة فعل رضا محمود، الذي يمتلك ورشة لإصلاح السيارات في الحي نفسه، فهو يعتبر أن اصطحاب ابنه حسام صاحب الـ12 عاما معه للورشة لمساعدته، أفضل بكثير من الذهاب إلى مدارس “لا تعلّم ولا تربّي، وتستنزف من اقتصاد الأسرة فقط”.

وقال رضا لـ”العرب”، “ابني كره المدرسة، وأنا كذلك.. هو لا يفهم شيئا من المعلمين، وأنا لا أستفيد شيئا من هذا الوضع.. سعدت للغاية برغبته في عدم الذهاب إلى المدرسة، وخرج منها منذ عام، وأستفيد من وجوده معي في الورشة أضعاف المبلغ الذي تساعدني به الحكومة عن طريق الدعم”.

واتفق أحمد ورضا على أن لغة الخطاب الحكومي مع الأسرة التي لديها طلاب متسربون من التعليم تبدو متعالية ودون جدوى، فهي لا تنظر إلى أصل الأزمة، بل تحاول وضع حلول لا تتسق مع واقع الأطفال الذين هربوا من الدراسة لأسباب اقتصادية وتربوية ونفسية، تتعلق بهم وبأسرهم.

وبحسب إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، يبلغ عدد المتسربين من التعليم في مصر نحو مليون ومئتي ألف طالب وطالبة، منهم نحو 321 ألف طالب تسربوا من التعليم بالمرحلة الابتدائية، و451 ألفا من المرحلة الإعدادية و349 ألفا من المرحلة الثانوية.

وجود أكثر من مليون طفل متسرب من التعليم، يعني أن مصر على موعد مع مئات الآلاف من الأسر التي تجهل قيمة العلم

ويؤكد الكثير من خبراء التربية صعوبة حل أزمة التسرب من التعليم في مصر عند الأطفال، دون حوار مباشر مع أسرهم، وليس عن طريق التهديد بوقف المساعدات المالية لها، لأن هذه الفئة من المجتمع لا تستجيب للتهديدات، وإلا كانت نجحت القوانين الرادعة لمحاربة الزواج المبكر والختان.

ويرى الخبراء أنه لا بديل عن تشكيل لجان بحثية من خبراء البحوث الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لمعرفة الأسباب التي دفعت الأطفال إلى ترك المدارس وعدم استكمال تعليمهم، ووضع حلول واقعية لهذه الظاهرة، باعتبار المتسربين قنبلة موقوتة في وجه الأسرة والمجتمع على حد السواء، لأنهم لا يعترفون بالقوانين.

وتكمن أزمة أكثر الأسر التي تشجع أطفالها على التسرب من التعليم في مصر، في أنها من الفئات غير المتعلمة، وتعتبر إلحاق أبنائها بالمدارس “أمرا غريبا عليها”، ما يعني أن البداية المثالية للقضاء على ظاهرة التسرب تبدأ أولا من القضاء على أمية أرباب الأسر، باعتبار الأطفال ضحايا لجهل الآباء.

ومشكلة الحكومة في التعامل مع هذه الفئة من الأسر، أنها تخاطبها بلغة المال فقط دون البحث عن أساس الأزمة، فهي التي شرعت قبل أشهر في تقديم مساعدات مالية للأسر التي تعيد أطفالها للمدارس، ولم تحقق الفكرة نتائج ملموسة، وهددت بوقف الدعم المالي والعيني لها، باعتبار أن ذلك أسلوب رادع لها.

وترتفع نسب التسرب من التعليم بين أبناء المناطق الحدودية والطبقات الفقيرة وقاطني العشوائيات، وينتشر الزواج المبكر في غياب القانون، وزيادة كراهية البعض للمدرسة، وعدم القدرة على التحصيل الدراسي وزيادة الأعباء الأسرية وارتفاع الأسعار، ما يدفع الأسر الفقيرة لأن يخرج ابنها أو ابنتها للعمل لمساعدتها ماديا.

وقالت راندة حلاوة وكيلة وزارة التربية والتعليم لشؤون التسرب من التعليم، لـ”العرب”، إن الحكومة اضطرت لاستخدام ورقة وقف الدعم لأسر المتسربين كخيار أخير لإرغامها على إعادة أبنائها إلى التعليم، حيث لا توجد مبررات مقنعة للتسرب.

وأضافت أن “كل الفرص متاحة أمام المتسربين للعودة مرة أخرى إلى المدارس، من تعليم مجاني ودعم نقدي شهري، وحتى غير القادرين على شراء المستلزمات تعهدنا لهم بتوفيرها من خلال الجمعيات الأهلية”، لافتة إلى أن “خطوة التهديد برفع الدعم عن أسر المتسربين مطلوبة، لكنها قد لا تؤتي ثمارها”.

ورأى معارضون لفكرة التلويح بورقة الدعم الحكومي، أن “أي حلول بعيدة عن إصلاح النظام التعليمي والبيئة المدرسية لتكون جاذبة وليست طاردة للطلاب، لن تكون مجدية لهذه الفئة، فالحكومة لا تغري الأطفال بمزايا تدفعهم للتمسك بالمدرسة ويشعرون أنهم ضعفاء ما يدفعهم للهرب منها”.

ولفتوا إلى أن وجود أكثر من مليون طفل متسرب من التعليم، يعني أن مصر على موعد مع مئات الآلاف من الأسر التي تجهل قيمة العلم والتكوين الأمثل للأسرة والتربية السليمة، ما يشكل خطرا داهما على المجتمع في المستقبل، لأن المتسربين سوف يكونون في المستقبل من أرباب الأسر التي لا تؤمن بالتعليم من الأساس.

وذهبت صافيناز محمود أستاذة علم النفس والاجتماع بجامعة عين شمس، إلى أن “أسلوب التهديد يعني أن الحكومة لا تمتلك خطة واضحة لإعادة الأطفال المتسربين إلى المدارس، وهؤلاء لا سبيل لدمجهم سوى تحسين البيئة التعليمية، والتعامل برفق مع أبناء الطبقة البسيطة، وتوعية أسرهم ومحو أميتهم والنزول إلى مستواهم الفكري عند مخاطبتهم وتثقيفهم”.

21