معالجة الصدمات الاجتماعية روائيا

الرواية تمنح مختلف الشرائح الاجتماعية خارطة للتحولات التي تتعرض لها، وتكون مرآة حاضرها وتاريخها، والصدمة المصاحبة لقطة مرغوبة في ميدان المواجهة والمكاشفة.
الاثنين 2018/09/03
سميث صوّرت في روايتها مفارقات من واقع الحياة في بريطانيا

تسعى الرواية إلى معالجة الصدمات التي تخلفها المتغيرات السياسية والاقتصادية على الحياة الاجتماعية، وكيف تمارس دورا في توجيه الناس إلى هذه الوجهة أو تلك، سواء كان من خلال الدفع إلى الانفتاح أو عبر الإيغال في الانغلاق وسدّ الأبواب والتقوقع على الذات بنوع من الذعر المستوطن المدمّر.

لكلّ حدث مفصلي تأثير ما على المجتمعات، ولا يمكن قياس التأثير بشكل محدد لأنه يكون عبارة عن دوائر متداخلة بناء على اعتبارات كثيرة، حيث تساهم عوامل عديدة في تغذيتها أو تهدئتها.

وقد مثّل ما عرف بالبريكست في بريطانيا، حين صوّت البريطانيون بالأغلبية لصالح انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي في 2016، حدثا مفصليا للروائية الأسكتلندية آلي سميث التي حاولت رصد جوانب من التحولات التي صاحبت التصويت وتبعته، وكيف تفاعل الناس مع الأمر، وكيف استجابوا له، وطريقة التأثير والتأثر عليهم وعلى مختلف تفاصيل حياتهم.

صوّرت سميث في روايتها مفارقات من واقع الحياة في بريطانيا، وبعض الإشكاليات التي تتنامى في المجتمع، ولا سيما تلك المتعلقة بتيارات شعبوية صاعدة، وأخرى مناوئة للمهاجرين، ناهيك عن اندماج اللاجئين في المجتمع وما يعانونه في سبيل ذلك، وما إن كانوا يحققون نسبة منه أو لا.

رمزت الروائية إلى كيفية تخييم الأجواء السياسية بظلالها على الفضاءات الثقافية، حيث سلطة الإعلام المرئيّ والمسموع تطغى على سلطة الأدب، وتلعب دورا محوريّا في بلورة رأي عام حيال قضية بعينها. وبالإشارة إلى ما اقترفه البريكست من تقسيم للنفوس، تقول إنه من الواضح أن سياجا بارتفاع ثلاثة أمتار مع بكرة من الأسلاك الشائكة تمر فوقه قد تم بناؤه فوق قطعة أرض ليست بعيدة عن القرية، وقد تم وضع كاميرات مراقبة فوق أعمدة على امتداد السياج.

تطلق إحدى شخصيات الرواية ما يشبه الخطاب الأدبي، تخبر ابنتها بأنها متعبة من الأخبار، ومن الطريقة التي تجعل الأشياء مثيرة رغم خلوها من الإثارة، وتتعامل بشكل بسيط مع ما هو فظيع حقا. كما تقول إنها متعبة من النقد اللاذع، ومن الغضب، ومن السفالة، والأنانية، وأنها متعبة لأنهم لا يفعلون أي شيء لإيقاف هذا السمّ.

 وتؤكد أنها متعبة من كيفية تشجيع جو الكراهية، ومن العنف المنتشر المتصاعد والقادم الذي لم يحدث بعد. وتؤكد كذلك أنها متعبة من الكاذبين المنافقين، ومن كيفية سماح هؤلاء الكاذبين بحصوله، ومن اضطرارها إلى التخمين في ما إذا فعلوا هذا بسبب الغباء أم عن قصد، وأنها متعبة من الحكومات، ومن الناس الذين لم يعودوا يهتمون سواء كُذب عليهم أم لا، ومتعبة من جعلها تشعر بكل هذا الخوف، ومن العداء ومن الجبن.

وكان السويسري يوناس لوشر قد تناول سيناريو لأزمة مالية مفاجئة تجتاح لندن في روايته “ربيع البربر” وحاول بصيغة ما استشراف المأزق الذي قد تضع بريطانيا نفسها فيه في حال تصويتها على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك من دون أن يضع الأمر في الواجهة ويثرثر كثيرا عنه.

وقد التقط لوشر رؤوس أفكار لأزمة متوقعة في أسواق لندن، وكيف أن هناك بنوكا كثيرة تعلن إفلاسها، ويفيق مجتمع الأعمال على دوي خسارات البورصة وإعصار الأزمة المالية، كما حاول بناء على ذلك التحذير من مغبة السير في طريق التعصب والانغلاق.

تمنح الرواية مختلف الشرائح الاجتماعية خارطة للتحولات التي تتعرض لها، وتكون مرآة حاضرها وتاريخها، والصدمة المصاحبة لقطة مرغوبة في ميدان المواجهة والمكاشفة.

15