معالجة تقشفية لأزمة الصحافة المصرية تتجاهل تحسين المحتوى

خطة حكومية تفتح المجال أمام إمكانية إغلاق العديد من الإصدارات الخاسرة.
الثلاثاء 2020/01/28
قرارات حكومية منقوصة

القاهرة - فضّلت الحكومة المصرية التعامل مع أزمات الصحف الرسمية من زاوية اقتصادية فقط، وذهبت باتجاه اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة لمواجهة الخسائر التي تعاني منها، وطالت هذه المرة الصحافيين من دون النظر إلى المشكلات المهنية التي تسبّبت في عزوف عدد كبير من الجمهور عنها، وهو ما يعتبره العديد من خبراء الإعلام مقدمة لتصفيتها لاحقا.

عقد مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، الأحد، اجتماعا موسعا مع وزراء المالية والإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة المسؤولة عن إدارة الصحف القومية، ورؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحافية، لوضع رؤية صارمة لأزمات الصحف الرسمية التي تحولت إلى صداع مزمن في رأس الحكومة.

وخلص الاجتماع إلى وقف التعيينات الجديدة في أي صحيفة حكومية، ومنع التمديد فوق سن المعاش (60 سنة)، إلا لبعض الكتّاب وعند الضرورة القصوى، وتسوية مديونيات المؤسسات باستغلال أصولها التي تمتلكها، ودراسة موقف كل الإصدارات واتخاذ موقف حاسم بشأنها.

عصام كامل: إيقاف ضخ دماء جديدة في وسائل الإعلام يؤدي إلى موتها سريعاً
عصام كامل: إيقاف ضخ دماء جديدة في وسائل الإعلام يؤدي إلى موتها سريعاً

وقال عمرو بدر، عضو مجلس نقابة الصحافيين، لـ”العرب”، إن النقابة ستعقد اجتماعا الخميس المقبل، لمناقشة موقفيْ الحكومة والهيئة الوطنية للصحافة، وإعلان وجهة النظر المهنية في هذا الشأن، خاصة أنه جرى من دون دعوتها، في حين أنها تمثّل حوالي ستة آلاف صحافي يعملون في الصحف القومية وحدها، ويشكّلون نصف الجمعية العمومية للنقابة تقريبا.

وأضاف أن الحكومة تعاملت مع أزمات المؤسسات الصحافية باعتبارها جدرانا تبحث إعادة ترميمها من دون النظر إلى البشر الذين يقبعون داخلها، والاجتماع عطل حقاً قانونياً الصحافيين الذين وصلوا سن المعاش، بعد أن منح الهيئة الوطنية حقاً في التمديد لهم بالتنسيق مع مجالس إدارات الصحف.

وقدّم كرم جبر، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، خطته للإصلاح الإداري والاقتصادي للمؤسسات، وتضمّنت دراسة الأنشطة الخاسرة بما في ذلك الإصدارات وفقاً لجدول زمني مدته 6 أشهر بعدها يجري اتخاذ قرار بشأن استمرارها من عدمه، وتفعيل أدوات الشفافية والمحاسبة ونشر الميزانيات في موعدها، ومحاسبة القيادات أولاً بأول عما يحدث من أخطاء.

وتفسح الخطة الجديدة المجال أمام إمكانية إغلاق العديد من الإصدارات الخاسرة، وتفتح الباب أمام إمكانية تغيير بعض الكوادر التي تتولى إدارة المؤسسات والاستعانة بغيرها ممن لديها خبرات تمكنها من تنفيذ الخطط الاقتصادية وليس الإعلامية.

وعبّرت قرارات الحكومة عن رغبة حثيثة في التخلص من الدعم الذي تقدمه لهذه المؤسسات، والدفع باتجاه الاعتماد على مواردها فقط، على أن يكون تدخلها في أضيق الحدود، ومن دون أن تضع خططا تضمن جذب القراء للصحف، واقتصار رؤيتها على التحول من الورقي إلى الإلكتروني، ما يجعل الأزمة مستمرة.

ومن المتوقّع أن تنعكس قرارات الحكومة على تقليص أعداد العاملين في المؤسسات القومية والذين يبلغ عددهم 22 ألف صحافي وعامل وإداريّ في ثماني مؤسسات تتبع الهيئة، وسيكون ذلك ضمن خطط إعادة الهيكلة التي تحدثت عنها الحكومة سابقا ولم تنفذها فعليا.

وأثارت القرارات جدلا واسعا في أوساط الصحافيين بعد أن أضحوا ينتظرون مصيرا غامضا، تحديدا ممن تخطّوا الـ60 عاماً الذين استفادوا من قرارات التمديد لهم، لأن قرارات الحكومة الأخيرة تعني خروجهم من الخدمة، والحال كذلك بالنسبة للمئات من الصحافيين الشباب ممن لم يصدر أيّ قرار بتعيينهم بعد.

ويرى خبراء الإعلام، أن هناك تغيّراً ملحوظاً في إستراتيجية التعامل مع العاملين بالصحف القومية، بعد أن ذهبت جميع القرارات السابقة باتجاه عدم المساس بهم، وركزت على البحث في ما يمكن توفيره لحل الأزمات المالية، ويعني هذا التغّير أن الحكومة لم تعد تنظر للصحف الرسمية باعتبارها الظهير السياسي الوحيد لها في ظل الهيمنة على مؤسسات صحافية خاصة، وبالتالي فكل المنصات تؤدي نفس الدور.

وبعث أسامة هيكل، وزير الدولة للإعلام، برسائل طمأنة للعاملين بتلك المؤسسات، وأكد على أن الحكومة مستمرة في مساندتها للصحف القومية، لكن يجب أن يكون هناك تقييم ومحاسبة على الأداء، مع ضرورة الاستفادة من إمكانات كل مؤسسة.

وتؤكد تقديرات الهيئة الوطنية للصحافة أن ديون المؤسسات الرسمية شهدت ارتفاعا خلال العامين الماضيين، وصلت إلى مليار و100 مليون دولار تقريبا مطلع العام الماضي، بعد أن كانت 700 مليون دولار قبل نحو عامين.

تعميق أزمة القطاع
تعميق أزمة القطاع

وبدأت المؤسسات الصحافية الكبرى، الأهرام وأخبار اليوم ودار التحرير، منذ حوالي ثلاثة أعوام إجراءات موسّعة لاستثمار أصولها بالتنسيق مع وزارت: الصناعة والاستثمار والمالية وقطاع الأعمال، محاولة توجيهها بشكل سليم لتخفيض الديون، غير أن النتائج لم تظهر تحسّنا على المستوى الاقتصادي.

وتتلخص مشكلات الصحافة المصرية في محدودية الخيارات أمام تطويرها، ويرجع ذلك إلى ظروف عدة، بعضها يرتبط بالقائمين عليها الذين تتولّد داخلهم مقاومة كبيرة للتغيير والخروج من النمط التقليدي للصحافة، والبعض الآخر يرتبط بضيق مساحة الحريات الممنوحة لها كي تستطيع جذب الجمهور.

وأكد عصام كامل، رئيس تحرير صحيفة فيتو (خاصة)، أن الحكومة المصرية تفتقد إلى الرؤية الواضحة في قراراتها المرتبطة بإعادة الهيكلة، والقرارات الصادرة أخيراً أكبر دليل على تخبّطها وعدم وعيها بالإشكالية الحقيقية التي تعاني منها، لأن الترهل الإداري يكمل في الأقسام الإدارية التابعة لها وليس في الصحافيين الذين يشكّلون أقل من ربع العاملين.

وأوضح لـ”العرب”، أن إيقاف ضخ دماء جديدة في وسائل الإعلام بشكل عام يؤدي إلى موتها سريعاً، لأن الوسائط الحديثة التي تقول الحكومة إنها ستشكل أساس عمل المؤسسات في المستقبل بحاجة إلى عناصر شبابية حيوية تمكّنها من مواكبة تطورات الإعلام الرقمي وليس صحافيين اعتادوا على الصحافة النمطية.

وأشار إلى أن الحكومة ستكون الخاسر الأكبر حال تصفية المؤسسات القومية التي تشكّل العمود الفقري للصحافة المصرية، بالتالي فهي تحاول أن تبحث عن حلول اقتصادية دون النظر إلى المشكلة المهنية الرئيسية التي تعترف بها وتكمن في عدم قدرة وسائل الإعلام على التعبير عن الأوضاع.

ويذهب صحافيون للتأكيد على أن انكماش الإعلام الرسمي وعدم السماح لنظيره الخاص بالتمدد والتوسع سوف يؤدي إلى تفاقم المشكلات، لأن ذلك يفسح المجال أمام الإعلام الاجتماعي ليكون مهيمناً على احتياجات الجمهور المعرفية.

18