معالم خارطة جديدة تخلط أوراق المشهد الإعلامي في الجزائر

تظهر معالم الخارطة الإعلامية الجديدة في الجزائر، مع بوادر اتفاق بين صحيفة الخبر أعتى صحيفة معارضة في البلاد مع الحكومة، وهو ما يمثل نصرا كبيرا لوزير الاتصال حميد قرين وكتلة الضغط اللذين استطاعا ترويض الصحيفة في آخر المطاف.
الجمعة 2016/12/02
طبيعة التنازلات مجهولة

الجزائر - تفاجأ مختصون وإعلاميون جزائريون بتوصل إدارة صحيفة الخبر، المحسوبة على المعارضة، إلى اتفاق مع الحكومة لأخذ حصة يومية من الإعلانات الحكومية، التي توزعها وكالة النشر والإشهار العامة والمحتكرة للإعلان الحكومي في البلاد، حيث لاحظ قراء الصحيفة والعديد من المتابعين لها صدور صفحات إعلانية للوكالة المذكورة في الصحيفة خلال الأيام الأخيرة.

ورأى متابعون أن الاتفاق بين الطرفين يشكل تحولا لافتا في الصحافة المكتوبة بالجزائر، عشية استحقاقات سياسية هامة، تتعلق بمساع حكومية لتمرير حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية المؤلمة، لاحتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية، والاستعداد لخوض موعدي الانتخابات البرلمانية والمحلية خلال العام المقبل.

ويعود حظر الإعلان الحكومي على الصحيفة إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، حيث قررت الحكومة حينها وقف حصة الصحيفة من الإعلانات، بسبب مواقفها وخط تحريرها المناهض للسلطة. وقررت الصحيفة من جانبها وقف التعامل مع الوكالة إلى غاية الأيام الأخيرة، وهو ما يظهر أن الصحيفة المعارضة قررت مراجعة حساباتها بسبب الأزمة المالية.

وتعد الصحيفة التي كانت محسوبة على صقور المؤسسة العسكرية المناهضة للتيار الإسلامي، من أهم المؤسسات الإعلامية الخاصة في البلاد، التي تأسست بعد الانفتاح الديمقراطي والتعددية السياسية والإعلامية في نهاية الثمانيات من القرن الماضي، وتبنت خطا تحريريا مناهضا للإسلاميين وللسلطة التي أفرزتها مرحلة ما بعد وقف المسار الانتخابي في 1992.

واستطاعت الحفاظ لربع قرن على استقلاليتها المالية وخطها التحريري، نظرا إلى الإيرادات التي كانت تحققها خلال تلك السنوات، مما سمح لها بتوسيع استثماراتها لإنشاء مطابع خاصة ومكاتب محلية وقناة تلفزيونية خاصة، لكنها ظلت قريبة في طروحاتها مما يعرف سابقا بـ“العلبة السوداء”، في إشارة إلى جهاز الاستخبارات المنحل.

وتبنّت الصحيفة موقفا معاديا لسلطة الرئيس بوتفليقة منذ ولايته الرئاسية الثالثة، وانحازت خلال الصراع بين مؤسستي الرئاسة وجهاز الاستخبارات خلال الأشهر الأخيرة، إلى صالح قياداته وضباطه الكبار وعلى رأسهم المدير السابق الجنرال محمد مدين (توفيق).

دخول صحيفة الخبر إلى بيت الطاعة الحكومي يشكل هزة قوية في قطاع الصحافة المكتوبة في الجزائر

ولا تزال طبيعة الصفقة المبرمة بين إدارة الصحيفة والحكومة مجهولة للرأي العام، لا سيما ما تعلق بطبيعة التنازلات المقدمة مقابل الاستفادة من حصة الإعلانات الحكومية. وأشار مصدر مطلع لـ“العرب”، إلى أن الصحيفة ستحظى بدعم مالي يصل إلى 10 آلاف دولار يوميا، في شكل إعلانات من وكالة النشر والإشهار (الإعلان)، مقابل أن تليّن الصحيفة موقفها من خطاب السلطة.

ولم يستبعد مراقبون أن يكون التقارب المفاجئ بين أعتى صحيفة معارضة في البلاد مع الحكومة، قد تم بمعزل عن تقارب غير معلن في المدة الأخيرة بين قطبي السلطة في البلاد، وهما مؤسستا الرئاسة وجهاز الاستخبارات المنحل، بما أن الصحيفة كانت أشبه بلسان حال العلبة السوداء إلى غاية التغييرات التي أجراها بوتفليقة على الجيش والاستخبارات منذ العام 2013.

ودخلت صحيفة الخبر في صراع مكشوف مع الحكومة خلال السنوات الأخيرة، بسبب ما أسمته بـ“المضايقات ومساعي الخنق الممارسة عليها من طرف الحكومة”، وأشارت إلى أن وزير الاتصال الحالي حميد قرين، الذي اتهمته منذ تنصيبه على رأس الوزارة بالضغط على المعلنين الخواص لقطع تموينها بالإعلان، هو ما أثر على توازناتها المالية وأدخلها في أزمة مالية كبيرة هددت وجودها.

ويشكل دخول الصحيفة إلى بيت الطاعة تحت ضغط مصادر التمويل، هزة قوية في قطاع الصحافة المكتوبة بالجزائر، فالصفقة المبرمة بين الطرفين ستزعج العديد من المطبوعات المقربة من السلطة في الظرف الراهن، لا سيما وأن شكوكا لاحت في الأفق حول نوايا انقلاب الحكومة على تلك المطبوعات، باعتبار أن الاستحقاقات القادمة تتطلب إعلاما على قدر من المصداقية والتأثير في الرأي العام، بدل تلك العناوين التي استهلكت مصداقيتها ووزنها على مر السنوات، بسبب خطابها الإعلامي الخشبي والتقليدي، الذي تراجع منسوب تأثيره إلى أقل من مجرد صفحة خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي.

وبقي القطاع الصحافي طوال الأعوام الماضية عصيّا على الترويض على الحكومات المتعاقبة رغم هيمنتها على أغلبية المؤسسات بسبب احتكار الإعلان، وبسبب صمود بعض العناوين كالخبر والوطن الناطقة بالفرنسية أمام الضغوط، نظرا لاستنادها على مراكز تأثير قوية. غير أن الصفقة المحققة تمثل نصرا كبيرا لوزير الاتصال حميد قرين وكتلة الضغط اللذين صمدا بدورهما أمام حملات الصحف المتمردة واستطاعا ترويض صحيفة الخبر في آخر المطاف بشكل يكفل لهما الاختيار المريح بين العناوين المطيعة.

ورغم حملة الحشد التي نظمتها المؤسسة للرأي العام والمنظمات الحقوقية والإعلامية، خلال الصيف الماضي لدعم موقفها في الصراع القضائي مع وزارة الاتصال، التي تدخلت حينها لإجهاض صفقة بيع مجمع الخبر لرجل الأعمال يسعد ربراب، فإن الحكومة فرضت الأمر الواقع بصدور الحكم القضائي لصالحها وتم إبطال صفقة البيع، ووجدت المؤسسة نفسها أمام واقع جديد يخيّرها بين التوقف أو الامتثال للسلطة.

وتستعد الحكومة للكشف عن ترتيبات جديدة لتنظيم قطاع الصحافة، في شكل نصوص جديدة، وفق رؤية تخطط لها السلطة لتمرير استحقاقاتها السياسية والاقتصادية القريبة، فبعدما وضعت يدها على القطاع السمعي البصري، تتجه لترويض العناوين الورقية والإلكترونية المتمردة، بعدما فشلت ترسانتها الكلاسيكية في إقناع الشارع الجزائري بخطابها ومشروعها.

18