معالم في الطريق

السبت 2014/01/11

لا أدري لم تأخذني علامة “رابعة” الصفراء لفهم غريب، حيث يهيأ لي أن الإشارة، بالنظر إلى المحيط، وإلى الخلفية التي تحيط بالذهن، حث على الزواج بأربع نساء، هو فهم موغل في النزوات الحسية، وظالم في التأويل طبعا.

بيد أن ما جرى هو أن معالم الطريق القويم الذي ارتضته، للقارئ، جماعات ضد الفرد، كانت دوما محفوفة بمحفزات المعنى الظالم إياه، كان للجماعة باستمرار نزوع إلى التضحية بالنفس المنكفئة على ذاتها، وسعي إلى مصادرة متع الآحاد، وحرياتهم الخبيئة. بل إن لفظا عاديا في اللغة هو “الانحلال” بات سبة شهيرة تدل على تنغيص الجماعات على شطحات الأفراد. والمفترض بناء عليه أن السياق العادي لأحوال الناس يقتضي وجود “أغلال” تقيد مشاعر الشخص وأفعاله ونزواته والاستثناء هو ترك من يحب على هواه، ومن يزيغ في غيّه الموغل.

مسألة القيد إذن جوهرية، بل بنائية، في تفكير “الجماعة” التي هي ضد “الفرد”، فالعمل يجب أن يكون في دائرة الفائدة الشرعية، والفائدة الشرعية هي السعي إلى ما يهدم اللذات، ويصل الفرد باشتراطات الجماعة وخبراتها. ولهذا كان بديهيا أن يصبح “التعليم” بابا لإخضاع السائب لمنظومة المشروط، والمحصلة هي الإحساس بجدوى الاشتراك الحسي في جني منافع “الحل” و”العقد”.

طبعا لن تكون الحسية، في مثل هذا السياق، متصلة بفرد، فالمنشط والمكره هو وجود جماعي مشترك، ولهذا يجب أن يكون سائغا لدى المتعلم أن لفظ “النساء” جمع ليس له مفرد من جنس اللفظ، فمفرده “امرأة”، وهو لفظ غريب في حروفه عن جبلّة الجمع، ومن ثم كان طبيعيا أن تصبح الأنثى في مجموعها هبة للواحد، فهي في مجموعها فرد في موازاة “ذكر”.

ولا جرم بعد ذلك أن تكون السعادة حصيلة للمآلات الخاصة “المنحلة” التي تشترط قيودا. من هنا لم يكن يوما ما وجود للسعادة الذهنية في ممارسة فنون الموسيقى والمسرح لدى الجماعة، فالفنون تقتضي الإحساس والعرفان الوجداني، بينما جماعاتنا “إياها” تجعل من الخيال خطيئة، يجب أن يكفر عنها الشخص، في كل فرض ونافلة.

في كتابه المتحفي، “معالم في الطريق” الهادي لأحوال الجماعة، تحدث سيد قطب باللفظ عن أحوال “الجاهلية” التي تخص “الجماعة” البائدة للبشرية، والتي انعكست صورتها على حال الحاضر في مجموعه، وحاصل الحل هو الامتثال لإمام “فرد” “مرشد من الضلال” يصير هاديا “للأمة”، وهي الاستعارة الأكثر دلالة في التاريخ العربي المعاصر على محو شخصية “الفرد”، فالأمة ليس لها مفرد لأنها “واحد” في مضمونها الفكري يعوض التعدد الذي هو أحوال الكون الجاهلي. لكن الأكثر مدعاة للتفكر هو صيغة الواحدية في صيغة “الجماعة” التي تكاد تكتسح مجمل كتاب “معالم في الطريق”، فبعد التمهيد الموحد للجماعات “الجاهلية” التي ينقضها وعي مفرد جديد، ثمة دوما قيمة بديلة تنهض بها “جماعة” ضد “الفرد” الحر المنحل، من شأنها أن توازن الكفة التي اختلت بعدما اعتدى الأفراد القائمون بالحكم على “سلطان الله في الأرض” وأفسدوا أحوال “الحاكمية”.

يبدو أن الأمر معقد شيئا ما عزيزي القارئ، عموما دعك من ذلك، المهم أنه من الواضح أن إشارة رابعة يمكن، إذا افترضنا حسن الظن، أن تؤولها على أنها كناية عن “الجماعة” التي من بين دلالاتها الأنيقة “الزوجة المفردة” في عرف المصري الأصيل.


* كاتب وأكاديمي من المغرب

8