معالي الوزيرين محمد بن سلمان

الاثنين 2015/02/02

فور تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، عيّن نجله الأمير محمد بن سلمان رئيسا للديوان الملكي ووزيرا للدفاع، مع التأكيد على تثبيته في وظيفته السابقة “وزير دولة عضو مجلس الوزراء” إلى حين إعادة التشكيل الوزاري في 29 يناير 2015، حيث ظل الأمير وزيرا للدفاع ورئيسا للديوان.

فور تعيين الأمير، أثارت استيائي سخرية الإعلام المعادي للمملكة من سن الأمير (34 سنة)، وهنا يكمن التفصيل. في عام 2010، كتبتُ في صحيفة الأخبار” اللبنانية مقالة بعنوان “موالاة النظام والاختلاف مع الحكومة”، وهنا أضع مقطعا كاملا من المقالة لاستعادة التاريخ.

xxx“المشكلة الثالثة مع السلطة التنفيذية – في المملكة العربية السعودية – هي ضآلة تمثيل الشباب في مجلس الوزراء.

فأربعة من أعضاء المجلس تجاوزوا الثمانين، وسبعة تجاوزوا السبعين، وخمسة تجاوزوا الستين، أي إننا نتحدث عن 16 عضوا من أصل 26 هم قطعا خارج شريحة الشباب. وإذا أضفنا الوزراء الذين تجاوزوا العقد الخامس من العمر، فسنتحدث عن مجموع 24 وزيرا، ليبقى وزير واحد في الأربعينات من عمره هو د. محمد العيسى وزير العدل، والأمير عبدالعزيز بن فهد (وزير دولة ورئيس ديوان مجلس الوزراء) الذي يبلغ من العمر 36 سنة.

نسبة الشباب في المملكة العربية السعودية تقارب الستين بالمئة، ونسبة تمثيل هذه الشريحة في الحكومة لا تقارَن أبداً بنسبة تمثيلهم في المجتمع، بينما تؤلّف شريحة الشباب في المملكة المتحدة قرابة السبعين في المئة من المجتمع، وهي نسبة التمثيل نفسها في حكومة غوردن براون، ومنهم ديفيد مليباند وزير الخارجية وشقيقه الأصغر إد مليباند وزير الطاقة ضمن حكومة متوسط أعمار وزرائها 45 سنة، ولا يوجد إلا وزيران فقط تجاوزا الستين. لماذا نذهب بعيداً؟ فحليف المملكة في لبنان الشيخ سعد الدين الحريري أصبح رئيساً للوزراء وهو دون الأربعين من عمره.

لقد تغيّر العالم بعد ثورة الشباب في كل من الولايات المتحدة وفرنسا ومصر والمكسيك وتشيكوسلوفاكيا نهاية الستينات ومطلع السبعينات، وبدأ الشباب في العالم يتقدمون، تدريجيا، إلى مواقع قيادية وريادية في العمل العام ومؤسسات المجتمع المدني، ورأينا العديد من النماذج الناجحة: بيل كلينتون تولى الرئاسة ولم يتجاوز عمره 47 سنة، وتوني بلير أصبح رئيس الحكومة البريطانية وعمره 43 سنة، يوليا تيموشينكو أصبحت رئيسة وزراء أوكرانيا ولم تتجاوز السادسة والأربعين، أما باراك أوباما، فقد أصبح رئيسا وهو دون الثامنة والأربعين من عمره.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة رمزية. لا يوجد في المملكة وزارة شباب، بل “الرئاسة العامة لرعاية الشباب”. إنّ الشباب السعودي ليس بحاجة إلى رعاية لأن موقعه الطبيعي والمفترض ليس أقل من القيادة، ومن الواجب أن يتغير هذا المسمّى الشائن – غير المقصود – في حق الشباب السعودي، وأن تكون هناك وزارة للشباب على رأسها شاب يحاسب حين يخطئ، ويُقالُ إذا استفحلت أخطاؤه وتراكمت دون انتظار سنوات وسنوات.

لا أتحدث عن تمثيل الشباب وحقهم في القيادة للانتقاص من الشرائح العمرية الأخرى. فلكل شريحة احترامها وتجربتها، وأعتقد أن النماذج الشابة في المملكة، سواء في القطاعين العام أو الخاص، قدّمت من التجربة ما يليق بأن تنال التمثيل الذي تستحق في السلطة التنفيذية. فنجاح عادل الجبير (سفير خادم الحرمين الشريفين في الولايات المتحدة) ووزير العدل محمد العيسى ود. عبدالرحمن التويجري (رئيس هيئة سوق المال) وخالد التويجري (رئيس الديوان الملكي)، جدير بمنح ثقة أكبر للشريحة السنيّة التي ينتمي إليها هؤلاء. وأضيف الأمير مشعل بن عبدالله بن عبدالعزيز (أمير منطقة نجران) الذي استطاع في عام واحد تحقيق إنجازات مهمّة ومعالجة إشكالات عدة، ويبلغ الأمير من العمر 33 سنة. أما أمراء المناطق الآخرون فمنهم: 4 فوق السبعين، و4 فوق الستين و4 فوق الخمسين، ومنهم من قدم تجارب مهمة تستحق الإشادة للاقتداء بها أو الدراسة لتعميمها، مثل الأمير سلمان بن عبدالعزيز وإنجازاته في منطقة الرياض.

إنني آمل أن يتحقق التغيير، وكما عرفت حكومة الملك سعود في ديسمبر 1960 باسم “الوزارة الشعبية” – قبلها كانت الحكومة تؤلّف من الأمراء باستثناء وزير أو اثنين – وعرفت حكومة الملك خالد في 1975 بـ“وزارة هيئة التدريس أو التكنوقراط” لأن معظم وزرائها كانوا من حملة شهادة الدكتوراه، أتمنى أن نشاهد في عهد عبدالله بن عبدالعزيز حكومة جديدة تعرف باسم “حكومة الشباب” تراوح أعمار معظم وزرائها بين 35 و45 سنة. ولا يقترب هذا المطلب من رئاسة مجلس الوزراء والوزارات السيادية لما تتطلّبه هذه المناصب من ثقل سياسي وخبرة وحكمة وتمرّس.

إن الوزارة الشبابية مطلب ملحّ وممكن، وخصوصا أنّ للمملكة تجارب ناجحة في السابق مع الوزراء الشباب أمثال: أحمد زكي يماني (أصبح وزيرا للدولة وعمره 30 سنة) وغازي القصيبي (أصبح وزيرا للصناعة وعمره 36 سنة).xxx

إن تعيين الأمير محمد بن سلمان في هذا العمر الشاب وزيرا للدفاع، تجاوز طموحاتي التي كشفت عنها عام 2010 حين طلبت استثناء الوزارات السيادية. كما أن هذا التعيين عودة إلى سياق الدولة السعودية نفسها مع الأمراء وغيرهم. فعلى صعيد وزارة الدفاع، فإن أكبر من تولاها سنا هو الملك سلمان حين تسلم ولاية العهد في عمر 78 سنة، أما من قبله فهم وفق ما يلي: الأمير سلطان (33 سنة)، الأمير محمد بن سعود (27 سنة)، الأمير فهد بن سعود (27 سنة)، الأمير مشعل بن عبدالعزيز (25 سنة) والأمير منصور بن عبدالعزيز (27 سنة).

وإذا خرجنا عن وزارة الدفاع، فلنا أن نتحدث عن الأمير طلال بن عبدالعزيز الذي تولى وزارة المواصلات وعمره 22 سنة، وفي الثلاثين من عمره تولى وزارة المالية. والأمير سعود الفيصل تولى وزارة الخارجية وهو في عمر 35 سنة.

وإذا خرجنا من دائرة الأمراء، إضافة إلى غازي القصيبي وأحمد زكي يماني، فالشيخ ناصر المنقور دخل مجلس الوزراء وعمره 30 سنة، والشيخ أحمد صلاح جمجوم تولى وزارة التجارة – في المرة الأولى – وعمره 36 سنة.

بغض النظر عن شخص الأمير محمد بن سلمان، وجب توجيه التحية إلى الملك نظير إعادته الشباب إلى صنع القرار، مع العلم بأن الدول التي قامت فيها ثورات الربيع العربي بسواعد الشباب، ما زالت تشكو إلى اليوم من تغييبهم عن صناعة القرار، بل إن تلك الدول لم تعترف بأهلية الشباب الذين غيّروا خريطة أوطانهم ومنطقتهم، ولم تسمح لهم بأكثر من وظيفة في مكتب الوزير بذريعة اكتساب الخبرة.

إذا نظرنا إلى الحكومة السعودية اليوم مقارنة بعام 2010، فمن أربعة أعضاء في العقد الثمانيني إلى عضوين، ومن سبعة أعضاء في العقد السبعيني إلى عضوين أيضا، في حين ارتفع عدد أعضاء العقد الستيني من خمسة إلى ثمانية وارتفع عدد أعضاء العقد الخمسيني من ثمانية إلى عشرة، وإذا انتقلنا إلى العقد الأربعيني فقد أصبح ممثلا بعضوين بدلا من عضو واحد، وكانت النقلة في العقد الثلاثيني الذي ارتفع من عضو إلى ثلاثة أعضاء.

إن كان الملك سلمان لم يشكل حكومة شبابية خالصة، إلا أنه بلا شك خفّض من متوسط عمر الوزراء بدرجة ملحوظة تماما رادا بعض الاعتبار إلى الجيل الشاب، وهذا يسجل له. إن الشريحة الطموحة والحيوية كانت تهمّش في المملكة حتى تصل إلى نهايات العمر فتتولى في الوقت الضائع وزارة أو سفارة من باب الوجاهة ومكافأة على نهاية الخدمة، لكن الملك سلمان أعاد الأمل حين رد الاعتبار – بمبادرته وإقدامه – لسنّة دولته، بل إن الشكر لسلمان يجب أن يكون مضاعفا، ففي بداية تأسيس الدولة كان الجهاز الرسمي مضطرا إلى الاستعانة بالشباب نظرا إلى ندرة التعليم وجدته، أما اليوم فسلمان اتخذ قراره مصححا عقودا عدة من التهميش الرسمي.

إن الثقة التي أولاها الملك للوزراء الشباب، وعلى رأسهم عضده محمد بن سلمان، لفتة تستحق التقدير لا السخرية، بل إن الاستهزاء والنقد يجب أن ينصب على أولئك الغارقين في الجهل وفي التحجّر، فشريحة الشباب هي الغالبة على الحكومات – ومراكز القيادة – في الدول المتحضرة والمتقدمة (وزير خارجية النمسا عمره 27 سنة، وزيرة الإسكان في فرنسا تولت منصبها وهي في منتصف عقدها الثالث)، كما أن تجاهل الشباب في مجتمعنا وتوصيفهم بالقصّر وعديمي الخبرة هو الذي طبع البلاد بالركود، مما أدى إلى تفاقم المشكلات بسبب برودة التعامل معها إضافة إلى بطء اتخاذ القرار.

آن الأوان لنفض الغبار عن العقول وعن المؤسسات الرسمية، وإنني آمل أن يبادر الأمير محمد بحكم مناصبه المتعددة إلى تشجيع تغيير مسمى “الرئاسة العامة لرعاية الشباب” إلى وزارة الشباب، وأن يشجع إحلال الشباب في مؤسسات صنع القرار وعلى مختلف المستويات، كما أنه من الواجب عليه أن يثبت مع الوزراء الثلاثينيين صحة توجه الملك بالعمل الجاد والخلاق، فتتوالى الدماء الشابة والحيوية إلى الدولة التي عانت من الهرم فترة طويلة. إن نجاح الوزراء الثلاثينيين – المأمول والمنتظر – يعني نهضة دولة قبل أن يعني إنصاف جيل، لذا لا بد من دعمهم وتشجيعهم.

لقد جمع الأمير محمد بن سلمان – في أسبوع واحد – بين منصبين لا يجتمعان، وزير الدفاع ووزير دولة عضو مجلس الوزراء في سابقة تاريخية محليا وعربيا ودوليا، فمن يعطى وزارة الدفاع أو غيرها من الحقائب الوزارية، هو حَتْما وحُكْما عضو مجلس الوزراء، كما أن لقب “وزير دولة” لا يعطى إلا لوزير بلا حقيبة، لذلك انطبق عليه أول ألقاب الفضل بن سهل (وزير الخلفية العباسي المأمون)، “ذو الوزارتين”، الذي لقب به لجمعه بين وزارة المال ووزارة الحرب. وفي إعادة التشكيل الوزاري تمت معالجة السابقة عبر إعلانه وزيرا للدفاع، إضافة إلى رئاسة الديوان الملكي واستحداث مسؤولية رئاسة مجلس الاقتصاد والتنمية، ليتحقق – أيضا – اللقب الثاني للفضل بن سهل، “ذو الرئاستين”. ورغم التأكيد على أن التشابه بين محمد والفضل ينحصر في اللقب ولا يتعداه إلى الشخص أو السيرة، إلا أن جمع الأمير ثـلاثة مناصب مهمة وحساسة (الدفاع، الديوان، الاقتصاد والتنمية) تجعله – حقيقة وفعلا – “أصحاب المعالي” محمد بن سلمان.


صحافي سعودي

9