معاملة المسلمين في الجيش البريطاني نموذج لاحترام الاختلاف الديني

الثلاثاء 2014/04/15
الحركات المتطرفة لا يمكن لها أن تجر المجتمع البريطاني المتسامح إلى دائرة العنصرية

لندن - ما يقدمه المسؤولون في الجيش البريطاني للضباط والجنود المسلمين من تسهيلات في أداء شعائرهم الدينية، يشير إلى منسوب كبير من التسامح والاحترام من شأنه أن يعزز مناخ التعايش ويكرس أطر التواصل والحوار بين مختلف الأديان.

كشف تقرير لوزارة الخارجية البريطانية أن أكثر من 850 مسلما يخدمون كضباط وجنود في القوات البريطانية.

وقال التقرير إن “عدد المسلمين الذين يخدمون في الجيش البريطاني والبحرية الملكية وسلاح الجو الملكي، ارتفع بنسبة 40 بالمئة منذ عام 2007، وفق إحصاءات وزارة الدفاع البريطانية”.

ونقل التقرير عن السفير البريطاني لدى المملكة العربية السعودية، جون جينكينز، إن “المجتمع البريطاني متعدد ويحتضن جميع الأديان”، مشيرا إلى وجود نحو “ثلاثة ملايين مسلم يعيشون ويعملون في بريطانيا في مختلف المجالات”.

وذاك التعدد كما يرى متابعون، هو الذي جعل من المجتمع البريطاني داعما لسياسة الانفتاح والتعايش بين كل الحضارات والثقافات.

وأضاف جينكينز: “مع تزايد عدد الضباط والجنود المسلمين في الجيش البريطاني، تم تشكيل جمعية إسلامية لتمثيل مصالحهم، وتم تعيين إمام مسجد لهم”.

وأشار إلى أنه في شهر رمضان، يُسمح للأفراد بالصيام، باستثناء الأيّام التي يتم إرسالهم أو إعدادهم فيها للمشاركة في عمليات، وكذلك يحصلون على عطلة في عيدي الفطر والأضحى، فضلا عن أنّ الطعام المقدم لهم “حلال” ويتوافق مع الشريعة الإسلامية، كما يتم تقديم وجبات إفطار وسحور خلال شهر رمضان.

ذاك التعامل مع الجنود المسلمين يمكن أن يكون نموذجا يدعم الجهود المبذولة من أجل التعايش والحوار

وذكر التقرير “أنّ جلّ المسلمين الذين يخدمون في الجيش البريطاني، قادرون على أداء الصلوات الخمس يوميا وعلى الصيام كذلك، ولهم الحق في التماس الدعم من رجال الدين المسلمين. كما تم توفير غرف لكي يتمكّنوا فيها من آداء صلواتهم، آخرها تلك التي أُحدثت على ظهر سفينة حربية تابعة للبحرية البريطانية”.

وقال أول إمام للمسلمين في الجيش البريطاني، عاصم حافظ، إنّ “المجتمع البريطاني أصبح أكثر تسامحا”، مشيرا إلى “أنّ المسلمين، رجالا ونساء، أصبحوا أكثر قدرة على الاندماج وخدمة بلادهم”.

ويرى مراقبون أنّ التسامح ومناخ الحرية الذي وجده المسلمون في بريطانيا، فُهم عند البعض من المتشددين الإسلاميين بشكل خاطئ، ممّا جعلهم يقومون بسلوكات شوّهت صورة الإسلام وجعلت المسلمين منعوتين بالتّطرف والإرهاب.

كما يرى متابعون أنّ المجتمع البريطاني بات يتخوف من صعود الخطاب الإسلامي المتطرف الذي يهدد الأمن والاستقرار في بلد منفتح على جميع الثقافات.

وذاك التخوف انعكس على العديد من القرارات المتعلقة بحماية النمط الثقافي والاجتماعي الموجود في بريطانيا.

وكانت صحيفة “الجارديان” قد ذكرت في عدد سابق أنّ الجهة المنظمة للمدارس في بريطانيا، قامت بإغلاق مدرسة إسلامية متهمة بفرض “ممارسات إسلامية متشددة”.

كما أشارت تصريحات توني بلير، رئيس وزراء المملكة المتّحدة السابق، إلى أنّ التشدد الإسلامي وبروز الإرهاب هما الخطر القادم الذي يهدد بريطانيا والعالم.

وقال بلير، في وقت سابق، “إنّ أصعب أمر يمكن أن نواجهه اليوم، ونحن نتصدى له بالفعل، هو الخطر الناجم عن ظهور نموذج جديد من الإرهابيين والمتشددين، أغلبهم يستند إلى أفكار عقائدية ترتبط بالإسلام.”

وتعيش بريطانيا على وقع بعض التجاذبات بين رغبات اليمين المتطرف من جهة، ومؤسسات المجتمع المدني الداعية للحفاظ على ثقافة التعايش والانفتاح على كل مكونات المجتمع بغض النظر عن الانتماءات الدينية والثقافية من جهة أخرى.

وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن مقتل الجندي البريطاني، لي ريغبي، على يد رجلين مسلمين بريطانيين من أصول نيجيرية، ساهم في إثارة ردود أفعال غاضبة في جميع أنحاء المملكة المتحدة، أدّت إلى زيادة كبيرة في الحوادث المعادية للإسلام والتعليقات العنصرية ضدّ المسلمين على مواقع الشبكات الاجتماعية، والاعتداء على العديد من المساجد في مختلف أنحاء بريطانيا. وأعلنت حركات يمينية متطرفة تنظيم وقفات احتجاجية ضدّ ما وصفته بـ”التطرف الإسلامي”، لإحياء ذكرى مقتل الجندي لي ريغبي.

الإعلام البريطاني ساهم بشكل جلي في تزايد حالات الخوف من التطرف الإسلامي وكان عليه أن ينظر للمسألة بأكثر موضوعية

ويرى بعض المحللين أن الإعلام البريطاني ساهم بشكل جلي في تزايد حالات الخوف من التطرف الإسلامي، في حين كان عليه أن ينظر إلى المسألة من زوايا متعددة وبأكثر موضوعية. وقال أنس التكريتي، رئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات، “إنّ المجتمع البريطاني يعاني من أزمة حقيقة، وهذه الأزمة ليست كما تصورها بعض وسائل الإعلام على أنّها أزمة ضد الإرهاب أو العنف الإسلامي، لكنها في الحقيقة ضد ظاهرة التّطرف. وظاهرة التطرف هذه تأتي في عدّة أشكال وألوان”.

كما طالب المتحدث باسم المبادرة الإسلامية في بريطانيا، محمد كزبر، في وقت سابق، جميع المؤسسات العاملة في بريطانيا وفي أوروبا في هذا المجال بتوحيد صوتها والوقوف مع بعضها البعض، لفضح هذه المؤسسات المتطرفة، ليس فقط في بريطانيا بل في جميع أنحاء أوروبا.

ويرى مراقبون أن تقرير وزارة الخارجية البريطانية أبان عن معاملة مختلفة للمسلمين في الجيش البريطاني، ويمكن أن يكون ذلك نموذجا يدعم الجهود المبذولة من أجل التأسيس لمناخ من التعايش والحوار بين جميع الأديان في بريطانيا، مما يقطع الطريق أمام الخطاب اليميني المتطرف.

13