معامل الطابوق تحجب الشمس عن الناصرية في العراق

يعاني العراقيون أشكالا عديدة من التلوث الصناعي تسببها المعامل التي لا تتقيد بإجراءات السلامة المهنية ولا تلتزم بالمحددات البيئية المعروفة في العمل الصناعي، وهو ما يحدث اليوم في عدد من المصانع في العراق وخصوصا معامل الطابوق.
السبت 2015/11/14
استغلال الأطفال كعمالة رخيصة في معامل الطابوق البدائية

الناصرية (العراق) - تلوح من بعيد المراجل البدائية الطويلة المتناثرة هنا وهناك يكسوها دخان متصاعد والهواء مثقل بسحب سوداء وأناس يتحركون بين الخنادق العميقة التي تشبه الكهوف وهم يتنفسون الدخان، هكذا يبدو مشهد معامل الطابوق الأهلية في قضاء الإصلاح شرقي ذي قار.

إسماعيل صليبي في الخامسة والعشرين هو أب لطفلين أمضى أعواما من حياته في العمل داخل معامل الطابوق الأهلية القريبة من مسكنه. وبعد سنوات من استنشاق السخام والأدخنة بات يعاني من مرض التهاب الرئتين، ما أدى لتعرضه إلى نوبات اختناق شديدة تهدد حياته في ظل مواصلته العمل كي يضمن معيشة عائلته في قرية الصفافحة التي تشكلت قريبا من تجمع معامل الطابوق، إذ يتقاضى العمال أجورهم بحسب كمية الطابوق الذي يتمكنون من إنتاجه يوميا.

ويدرك صليبي فداحة الخطر الذي يتهدد حياته بعد أن فقد مؤخرا ابنة عمه البالغة من العمر 18 عاما بعدما أصيبت بسرطان الرئة نتيجة استنشاقها وبصفة متواصلة كميات كبيرة من الدخان الأسود المنبعث من تلك المعامل، وقد فشل الأطباء في علاجها لعدم تشخيص المرض مبكرا.

ويؤكد صليبي أن صحته في تراجع نتيجة استنشاقه لدخان المعامل التي يتنقل بينها كل حين في مهمته كمختص بإشعال محارق الأفران بالنفط الأسود التي يصفها بـ“المهنة الإجبارية”.

ويقول لموقع “نقاش” أنا “أتعرض لانتكاسات صحية تلزمني الفراش وتتطلب علاجات مكلفة أعجز عن توفيرها غالبا، لكن لا خيار لدي فأنا أعلم صعوبة الحصول على فرصة عمل في مكان أفضل أو وظيفة حكومية لأني لا أملك تحصيلا دراسيا وقد تزوجت مبكرا ويجب أن أوفر قوت عائلتي”.

ويؤكد صادق جميل كاطع، صاحب أحد المعامل الذي حاول التقليل من حجم التلوث، أن جميع المعامل البالغ عددها في هذا الموقع 23 معملا تستخدم حاليا منظومات الحرق الآلي المصنعة في إيران والمعروفة بـ“النوزل”.

107 من معامل الطابوق تنتشر في عموم المحافظة وتبعث بغازات سامة بشكل كثيف

صادق يقول لقد “اشترطت علينا دائرة البيئة استخدام هذه الآلية بعدما كان إيقاد الأفران يجري بواسطة الحرق العادي للنفط الأسود والمعروف بـ’البرنت’ الأمر الذي كان يبعث دخانا أسود كثيفا يغطي مساحات شاسعة”.

لكن وبحسب كاطع فإن عمليات تطوير المعامل الحالية والتي تم إنشاؤها منذ عام 1989 صعبة للغاية وتتطلب نفقات كبيرة لا يمكن توفيرها لهذا الغرض إذ تقدر كلفة تطوير المعمل الواحد خمسة مليارات دينار.

يذكر أن كل معمل يضم تقريبا حوالي 150 عاملا يتوزعون بحسب مهمات مختلفة الاختصاصات، وهو ما جعل المجمع مصدر عيش للمئات من العائلات التي تسكن قرية الصفافحة القريبة حيث سجلت أكثر الإصابات جراء التلوث.

ويتحدث ناظم جاسم عويز مختار عن تسجيل ثماني حالات وفاة بأمراض مختلفة منها سرطان الثدي بين النساء، موضحا أنه “تم تسجيل إصابات مختلفة موثقة بشكل رسمي منها 16 حالة سرطان ثدي و60 حالة ربو وأكثر من 100 حالة التهاب رئوي، بالإضافة إلى إصابة 30 شابا بالعقم وتشوهات في صفوف العديد من المواليد الجدد”.

وفي حين لم يتجاوز عدد معامل الطابوق الأهلية الأربعة في عام 1989، ينتشر اليوم أكثر من 40 معملا على بعد خمسة إلى ثمانية كلم في الأراضي المحيطة بقضاء الإصلاح.

معامل الطابوق في العراق فضاءات الشقاء والموت البطيء

علي حسين ردّاد قائم مقام قضاء الإصلاح، يقول إن معدل حجم الإصابات المعلن عنه قليل بالمقارنة مع عدد المعامل التي تستخدم منظومة الحرق الآلي، ويضيف أما “بخصوص المحافظة على البيئة فإن كفاءة المنظومة الإيرانية لا تتخطى حاجز الـ35 بالمئة، كما أن التنافس بين مشغلي المعامل على سد الطلب يدفعهم إلى العمل ليلا حتى الفجر باستخدام آليات الحرق القديمة، ما يزيد من نسب الدخان وارتفاع معدل الإصابات بين العاملين”.

يذكر أن عدد سكان قضاء الإصلاح بلغ حوالي 50 ألف نسمة، وقد ألمّت بهم العديد من الإصابات المختلفة خاصة السرطانية منها والتي لم يتم حصرها من قبل الجهات الصحية حتى اللحظة. إذ أن قرابة 3 آلاف دونم من الأراضي الزراعية يغطيها اللون الأسود، إضافة إلى ارتفاع معدل الأملاح بالتربة نتيجة تساقط كميات كبيرة من كريات الكاربون المتطايرة من دخان المعامل، ما أثر سلبا على محاصيل الحنطة والشعير في الشتاء والذرة والدخن والخضار خلال فصل الصيف. وقد أسهم ذلك في انخفاض أسعار الأبقار والماعز والأغنام بنسبة 90 بالمئة عن مثيلاتها بالمناطق الأخرى، بسبب الأمراض التي تتعرض لها هذه الحيوانات.

ومع أن محسن عزيز مدير دائرة البيئة في المحافظة يتحدث عن “عقوبات تضمنت قطع الحصة النفطية عن تسعة معامل لم تلتزم بالتعليمات، وفرض غرامات مالية تتراوح بين ثلاثة وخمسة ملايين دينار”. ولكنه يعترف بأن مشكلة معامل الطابوق تعد من أبرز التحديات البيئية التي تواجه المحافظة، ويبيّن ذلك بقوله “هناك 107 من معامل الطابوق أغلبها حاصل على تصاريح رسمية وهي تنتشر في عموم المحافظة بينها 40 معملا في قضاء الإصلاح وحده، وهي تبعث بالغازات السامة بشكل كثيف جدا ما يضر بصحة السكان”.

ومع عدم كشف دائرة صحة ذي قار عن الأرقام الحقيقية للإصابات جراء التعليمات الوزارية التي تحظر إعطاء أي بيانات إلا بموافقتها، فإن الدكتور حيدر علي مدير الصحة يزعم عدم تسجل أي زيادة في نسبة الإصابات التنفسية أو السرطانية بسبب التلوث الناجم عن معامل الطابوق. في حين يصف قائم مقام القضاء الإصابات الرئوية التي سجلت بين الأطفال بـ”المستعصية”، حيث يقع استغلال الأطفال كعمالة رخيصة في تلك المعامل البدائية غير أن عائلاتهم تلتزم الصمت خشية طردهم وبالتالي فقدان مصدر عيشهم.

وسبق لدائرة بيئة المحافظة والدوائر الساندة أن أغلقت عشرة معامل لعدم اعتمادها المعايير البيئية في استخدام منظومات الحرق الآلي، إلا أن أغلبها ما يزال يمارس عمله بسبب غياب الرقابة وهو ما يعرض القضاء إلى تلوث بيئي كبير، فيما طالب الأهالي خلال تظاهراتهم بسرعة معالجة المشكلة، غير أن هذه المطالب مازالت تنتظر التنفيذ منذ فترة طويلة.

ويعدُ داخل راضي، عضو مجلس محافظة ذي قار، بتحريك ملف المشكلة بعد طرحه على طاولة اجتماعات مجلس المحافظة حال استكمال جميع المتطلبات الفنية والإدارية والقانونية، لكنه يقول، “إنه يعلم أن الخلافات السياسية قد تحول دون تحقيق ذلك”.

20