معانقة العدم

تختصر رواية كواباتا ورحلته أمثولة الوجود الروائي المشدود إلى العدم، لهذا نجد هذا النص يعاد تأويله عشرات المرات من قبل الروائيين، كما يتحول إلى شبه أسطورة معاصرة عن ماهية الرواية.
الأربعاء 2018/06/13
رواية كواباتا ورحلته تختصران أمثولة الوجود الروائي المشدود إلى العدم

تتجلّى إحدى عبقريات الروايات حين تثبت أن النهاية وجهة نظر، وأن العدم شأن ذهني قد تروضه الذاكرة، لهذا تستحيل الكتابة عند روائيين عديدين إلى مجابهة للفناء، وتشبث باليفاعة، فلا يمكن أن تتواءم الرواية والشيخوخة أو اليأس، هكذا يمكن فهم ذلك النزوع الأسلوبي إلى الإطناب، والتفريع والامتداد الحلقي الذي يجعل النص الواحد يولّد أجزاء، والأجزاء تكتسب إبدالات شتى في نصوص متغايرة. وفي كثير من التجارب الروائية الأساسية لا يمكن أن نتوقف إلا على نصوص مفردة قد تكون لها حواشي وتفصيلات متعددة، تعيد إلى الذهن قاعدة المواجهة مع الفناء باعتبارها جوهر الإبداع الروائي؛ من “الموت في البندقية” لتوماس مان، “إلى مائة عام من العزلة” لماركيز، ومن” الشيخ والبحر” لهمينغواي، إلى “مدار السرطان” لهنري ميلر، ومن “الصخب والعنف” لفوكنر، إلى “منزل الجميلات النائمات” لكواباتا.

وعلى ذكر رواية الياباني ياسوناري كواباتا، تكاد تمثّل هذه السردية الآسرة والملغزة، حكاية الوجود الروائي نفسه، منزلٌ سريٌّ أعد للذة المتخيلة، حيث يلتجئ الباحثون عن المتعة الحسية في أرذل العمر إلى أحضان يافعات نائمات، فتنوب الذاكرة عن الفعل، ويعوّض الخيال العجز، إن الشيوخ يتذكرون وهم مستلقون بجانب الفاتنات النائمات ما كانوا عليه من قوة وحيوية في الماضي، لقد منح الروائي الياباني صاحب هذه التحفة الخالدة جائزة نوبل، وبعد هذا العمل بقليل سيضع حدا لمسار الذاكرة، منتحرا على طريقة الساموراي.

تختصر رواية كواباتا ورحلته أمثولة الوجود الروائي المشدود إلى العدم، لهذا نجد هذا النص يعاد تأويله عشرات المرات من قبل الروائيين، كما يتحول إلى شبه أسطورة معاصرة عن ماهية الرواية، ففي كتاب ماريو فارغاس يوسا “حقيقة الأكاذيب”، يخصص فصلا للحديث عن رواية كواباتا تماما مثلما فعل غابرييل غارسيا ماركيز في كتابه المتأمل في هذا الفن المعنون بـ”لماذا نكتب الرواية؟”، حيث احتل كواباتا مفصل الحديث عن ثنائيات العجز والذاكرة، والأفول والتخييل، وارتباطها جميعا بمعانقة العدم.

حينما كنت بصدد إعداد دراسة عن رشيد الضعيف قبل ثلاث سنوات لم أجد تفسيرا مريحا لعنوان روايته “عزيزي السيد كواباتا” التي لم تخرج في سياقها العام عن السردية المفردة للروائي اللبناني عن الحرب الأهلية وامتداداتها في طبقات الوعي، اكتفيت بتفسير رشيد الضعيف نفسه الذي ربط العنوان بهيمنة الرواية اللغز ومحكية الروائي المركبة على ذهنيه في ذلك الإبان، اليوم أعي أن الأمر أبعد من مجرد رضوخ لمأساة شخصية إلى ما تضمنته من رمزية تحكم صنعة الرواية من أساسها، بقدر ما تتلبّس بسلوك الأفراد إزائها.

15