معاني الكلمات وعقول العرب المغيبة

الأحد 2014/11/09

في الأسبوع الماضي كنت صحبة رجل كبير في السن من أهل العلم والمعرفة أخذ يقص علينا من مغامراته وخبراته وقال لي: “يا ابنتي هل تعلمين ما معنى كلمة “جرسون”، ثم أكمل قائلا إن معناها ولد”.

في الحقيقة أزعجني معنى هذه الكلمة فكنت أعتقد كما يعتقد الآخرون أن معنى “جرسون” هو النادل أو الساقي وصدمت عندما علمت أن معناها ولد. وقد كان الفرنسيون في القاهرة أيام الاستعمار الفرنسي ينادون أبناء مصر “لو جرسون”، أي يا ولد. فنحن العرب بأمجادنا جاء الفرنسيون يحتلوننا ويستعبدوننا بكلمة “لو جرسون”.

واستغربت عندما أخبرني عن معنى كلمة “وانيت” وهي تُطلق في الخليج على سيارة النقل، قال لي إنه في الثلاثينات عندما كان الأميركان في الخليج كانت هناك سيارة تحمل رقم 18 “ون آيت” وكانوا يطلبون من العمال العرب وضع الأغراض في السيارة رقم 18 ومن هناك ولدت كلمة “وان آيت”.

وفي السعودية يطلقون على سيارة صهريج الماء “الوايت” حيث كانت عربات الماء بيضاء وكان الأميركان يطلقون على سيارة صهريج الماء البيضاء The white وكانوا يقولون “ذا وايت” ومن هنا ولدت كلمة الوايت. كما أنه في شرق السعودية والخليج لا يعرفون كلمة “مربى” بل يعرفونها بكلمة “الجام” وهي أيضا إنكليزية كما هو الحال مع كلمة “الجلاس” ومن منا لا يستخدم كلمة “كوب”، وسألته عن معنى كلمة “كوب” في العربية وضحك وضحكنا معه كالأطفال عندما أخبرنا أنه لا يوجد في العربية كلمة كوب للشاي.

وبعد ذلك سألني عن معنى كلمة “ساندويتش” بالعربية فلم أعرف، وضحكت أكثر عندما قال لي هي شاطر ومشطور وبينهما كمخة أو بينهما طازج، والكمخة تُطلق على الشيء المخفوق كالبيض المخفوق، والطازج على الجبن والخس مثلا. ثم سألني عن معنى كلمة “بيتزا” باللغة العربية وحزنت على ثقافتي اللغوية حيث لم أجد بمفرداتي العربية معنى لكلمة “بيتزا”، فقال لي هي فطيرة الجبن.

ومن هنا بدأ يسألني عن معنى كلمة الـ”Hard disc” “الهارد ديسك” واستغربت عندما قال لي إنها القرص الصلب، ثم أكمل ضاحكا، أما معنى كلمة”mouse” فهي “الفأرة”، وقال: أنقري هنا.

ثم تطرق الرجل إلى بلاد الهند والسند وقال لي: هل تعلمين ما معنى كلمة “رفيق”؟ معناها يا ولد، ومعظم الخليجيين ينادون الهندي يا رفيق أي يا ولد، وأكمل ضاحكا: في مكة يطلق الناس على الجاوي “توان”، يا توان وهي تعني يا ولد. نعم هو على حق، حيث تذكرت أن كلمة “دريول” التي نستخدمها في الخليج هي في الأصل كلمة إنكليزية”Driver”والـ”دروازة” كلمة هندية نطلقها على البوابة. وأخبرني أن كلمة “زغرتي” التي يطلقها الخليجيون في غير محلها ويعنون بها “الشخص المتهندم” هي في الأصل جاءت من كلمة”Security”حيث كان الحارس في الماضي أو رجل الأمن متهندما في ملابسه.

أما كلمة “بشكار” التي أذهلني معناها، فهي كلمة تُطلق في الإمارات على الخادم في المنزل، وفي الحقيقة لا معنى لها في اللغة العربية الفصحى واستغربت عندما علمت القصة التي وراءها. فقد ذكر لي هذا العجوز المثقف من خلال حديثه الممتع أنه في فترة الاستعمار البريطاني في الخليج، كان الإنكليز كلما تتعطل السيارة وتحتاج إلى دفع حتى يشتغل المحرك ينادون العمال ويطلبون منهم دفع السيارة بقولهم”Push Car”ويبدو أن كثرة تكرارها مع العمال الذين ربما كانوا آسيويين آنذاك أخذ الخليجيون يطلقون على العامل الآسيوي خاصة في المنازل “بشكار”.

ثم أكمل ضاحكا: يا مزة هل تعلمين من أين جاءت كلمة “مُزة”، فاستغربت وسألته من أين، فقال لا أعلم سمعتها من الأخوة المصريين.

وأخبرني أن كلمة “كريته” وهي تستخدم في بعض الدول العربية أصلها تركي وهي العربة التي يجرّها الحصان. ثم أخذني إلى كلمة “الجاري” التي تستخدم بكثرة في الخليج وهي في الأصل كلمة هندية وتُطلق على العربة التي يجرها الحمار وكانت تُستخدم لنقل البضائع مثل العربة المتحركة سلة السوبر ماركت، وسألته ما هو السوبر ماركت بالعربي، رد مبتسماً ربما هو السوق الجبار، وهل هو جبار لأنه يحتوي على جميع طلباتنا في سوق واحد، وهناك الميجا ماركت وهو السوق الأكبر سعة.

سعدت بما سمعت من مفردات أجنبية نستخدمها في حياتنا اليومية دون أن نعلم أصلها وحزنت في نفس الوقت على لغتنا العربية وكيف أستخف بنا الغرب واستعبدنا بكلمات مثل “لو جرسون” يا ولد، وكيف تجرأ علينا ودربنا فترة طويلة من الزمن بأن ننادي العربي بكلمة يا ولد. فهل مؤسسو المعجم العربي فرحون لما وصلنا إليه بأن نستخدم كلمة “هوز” للخرطوم وهي كلمة أجنبية ولا نستخدم كلمة خرطوم!

لقد استخف بنا الغرب في الماضي بأن قام ببرمجة عقولنا باستخدام كلمات غير عربية الأصل وساقنا بأن نعيش كالعميان وهذا ما يفعله بنا اليوم فالغرب لا يزال يغذي عقولنا بسموم ومصطلحات وأفكار لا تزيدنا إلا استعباداً وتُرجعنا إلى الوراء مئات السنين وفي الوقت نفسه ينادي بالحريات في العالم العربي ويدفع الشعوب العربية لتبنّي مفاهيم مثل الديمقراطية التي لا وجود لها حقيقة في العالم الغربي. وها نحن ننجرّ وراء الغرب لا شعوريا متبنين ما يهدم الأمة العربية والإسلامية بدءا من مسرحية صدام ومسرحية حرب الخليج وحاليا مسرحية داعش والقادم في علم الغيب وحتما ستتبعها عقول العرب المغيبة ولكن إلى متى؟

5