معاهدة فيينا

غني عن القول أن فكرتي عن استعجال التعليم العالي لم تكن موفقة والأطفال يفضلون البطة والكرة على المعاهدات وتواريخ إبرامها.
الثلاثاء 2018/06/19
الأطفال يفضلون الكرة على المعاهدات وتواريخ إبرامها

التعلم مسيرة طويلة تبدأ في الصبا المبكر وقد لا تنتهي أبدا، عالم كامل من المفردات والاصطلاحات والأفكار تنتظر الطفل في خطواته المتعثرة الأولى وتلازمه حتى يبلغ الثمانين أو المئة. ومع كل الكلام المبهج عن غرس القدرات التعبيرية والإنشائية وكيف أن الحياة قفزات لا تنتهي بين أقواس وردية طازجة، نجد الإنسان محكوما في تلعثمه الأول بـ”لا” الناهية؛ يتعلم الإنسان المحظورات والممنوعات قبل كل ما هو خلاق ومبدع.

ينفق الطفل شهورا يتعرض فيها للردع الخالص الذي ما فيه شوائب من تصور بناء أو فكرة جميلة؛ “لا تأكل”، “لا تركض”، “لا تحكي”، وهكذا. هناك طبعا مرحلة تعلم الكلمات من قبيل “قل ماما” و”قل بابا” وكلمات تافهة مثل هذه، رغم أن الطفل مستعد لتلقي أي شيء وكل شيء. وأذكر أن صديقي ترك معي حفيده ذا السنة ونصف السنة لأتمم ما بدأه الجد من تعليم “ماما وبابا والثلاجة”. فكرت أن الطفل ما دام مستعدا لترديد أي شيء وتعلمه فلماذا نملأ رأسه بالترهات ونقول ثلاجة فيقول غاغا؟ وهكذا، حزمت أمري وقررت أن أعطيه علما جديدا. ثم رجع الجد إلى الغرفة ووجدني أعلم حفيده عبارة “أبرمت معاهدة فيينا…”. كنت قد قررت أن الطفل ما دام قادرا على ترديد أي شيء فلماذا لا يقول شيئا ذا بال؟

غني عن القول أن فكرتي عن استعجال التعليم العالي لم تكن موفقة والأطفال يفضلون البطة والكرة على المعاهدات وتواريخ إبرامها.

وبعد شهور من تراكم الكلمات وإنفاق الوقت والجهد على تعليم الطفل الكلام والمشي دون أن يسقط، وحين يبدو طليق اللسان، رشيق الحركة، يتلقى التقييم الأول لجهوده في تعلم المشي والكلام ويكون التقييم: “اُخرس واِجلس دون حركة”.

الغريب أن الإنسان بطبعه يحب القيود والانصياع؛ الطفل منذ الولادة يكره الحرية ويحب القماط، وحين ينمو تنمو معه رغبه في دس الأشياء في الأماكن الضيقة. كل من لديه سيارة صغيرة تدخل في علبة ثقاب سيضعها فيها. والمكان الضيق أحلى من القصر المنيف، ربما لأن المكان الضيق فيه شيء من الرحم.

بهجة دس الأشياء في أماكن ضيقة تبلغ ذروتها في علاقة الدس الغريبة تلك بين السبابة والمنخر. هذه لذة يكتشفها الإنسان في سن تكوينه ولا يستطيع أن ينفك عنها، ومهما يقال في ذم عادة دس الإصبع في منخر الأنف لا يأبه أحد ويظل يتحين الفرص لدس إصبعه هناك، بل إنني سمعت طفلا يقول إن منخر الغوريلا كبير لأن إصبعه كبير.

24