معايير فضفاضة تضعف مدونات السلوك الإعلامي المصري

مشكلة التضييق على حرية الحصول على المعلومات بقيت دون حل،  ومجلس الإعلام يوسع قائمة العقوبات على المخالفين.
الأربعاء 2018/04/25
في انتظار مدونة تراعي كافة الأطراف

القاهرة - لم ينته الجدل حول معايير الثقة والشفافية للتغطية الإعلامية في مصر، مع انتهاء المجلس الأعلى للإعلام من وضع مدونة خاصة بالمعايير الإعلامية متضمنة ميثاقا خاصا للتغطية في مجالات الإرهاب والمرأة والطفل والقضايا العربية.

وفتحت قضية جديدة تتعلق بمدى ملاءمة هذه المدونة مع المعايير الدولية، خاصة وأنها شملت لائحة عقوبات على المخالفين للمعايير، بهدف ضبط الأداء الإعلامي، وفق ما قال المجلس.

وتختلف فلسفة المعايير التي اعتمدها المجلس مع ما أطلقته منظمة مراسلون بلا حدود ومؤسسات إعلامية كبرى بشأن مكافحة “الأخبار المضللة” مؤخرا، والتي عملت على تحفيز وسائل الإعلام نحو الالتزام بتلك المعايير بدلا من عقابها، في ظل صعوبة السيطرة على المحتويات التي تقدمها الآلاف من المنابر الإعلامية.

وتعد مواجهة الأخبار الكاذبة أزمة عالمية تختلف الدول في ضبطها، لأنها دائما تصطدم مع فكرة حرية الإعلام والنشر. وتمتلك أغلب الدول الأوروبية لجانا مستقلة تتكون من صحافيين وممثلين للحكومة وشخصيات عامة تضع مواثيق أخلاقية لوسائل الإعلام في تلك الدول، وتفرض عليهم، بطرق مختلفة، وقف التمويل الحكومي ومنع المعلنين وفرض عقوبات مالية ومعنوية.

 

تمثل مواثيق ضبط العمل الإعلامي وآلية تنفيذها أزمة بسبب اصطدامها مع حرية الإعلام. ويسعى المجلس المسؤول عن الإعلام في مصر إلى وضع ضوابط جديدة لمحاربة الأخبار المضللة، لكن يرى خبراء أنها مازالت غير كافية لما تحتويه من ضوابط فضفاضة، كما أن تطبيقها بحاجة إلى إرادة وأدوات ناجعة

ومع أن المعايير التي وضعتها الهيئة المصرية تتشابه مع تجارب غربية، قد تساهم في الحد من الانتقادات التي وجهت إليها لاختلال معايير تطبيق العقوبات على المخالفين في السابق، إلا أنها لن تكون كافية لضبط الإعلام، لأن هناك العشرات من المواثيق والمدونات السلوكية والمهنية التي أقرتها نقابتا الصحافيين والإعلاميين ولم يتم الالتزام بها.

وتلزم تلك المعايير المقرر إصدارها بشكل رسمي الأسبوع المقبل، عدم تقديم الإعلامي أو الصحافي معلومات إلا بعد التأكد من دقتها، وألا يبني تقاريره على معلومات منقولة من وسيلة إعلامية أخرى أو مواقع التواصل الاجتماعي.

كذلك تلزم الوسيلة الإعلامية بالتوازن عند عرض الآراء المختلفة واحترام الرأي الآخر، وتلتزم بعدم تقديم محتوى يضر بالمصالح العامة للمجتمع أو مؤسساته أو يسيء للمعتقدات الدينية أو يحرض على العنف أو التمييز أو الكراهية.

وتشدد المعايير الجديدة على الالتزام بحقوق الملكية الفكرية وعدم استخدام اللغة السوقية أو الأجنبية (في غير محلها) وألا تنتهج الوسائل الإعلامية أسلوب الإيحاءات المسيئة أو الألفاظ المتدنية، وعدم نشر مواد إعلانية تسيء لأخلاقيات المجتمع أو تستغل الطفل أو المرأة في حملات إعلانية بشكل يسيء إليهم.

وقال جمال شوقي رئيس لجنة الشكاوى بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إن فلسفة المعايير تقوم على وجود عقد ملزم بين الإعلامي والوسيلة والمتلقي بما يضمن جودة المحتوى بشكل يتفق مع المعايير الدولية والدستور، وبما يضمن مواجهة انتشار الأخبار المزيفة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف لـ”العرب”، أن المعايير الجديدة ترتبط بالرغبة في وجود وثيقة تنظم العمل الإعلامي، كما الحال بالنسبة لجميع الهيئات المنظمة لعمل الإعلام في بلدان العالم، وهو ما كان دافعا للارتكان إلى مواثيق الأمم المتحدة والإعلان الدولي لحقوق الإنسان أثناء وضعها حتى لا يكون هناك توغل على عمل المؤسسات الإعلامية.

وأوضح أن المجلس الأعلى للإعلام يرمي إلى تحديد طبيعة المحتوى المقدم للجمهور، لكنه لا يتدخل في أصل هذا المحتوى، واستعان بالمواثيق المتفق عليها دوليا لوضع شروط خاصة بطبيعة تغطيتها.

ووضع المجلس ميثاقا لطريقة تغطية الحوادث الإرهابية تحظر نشر خط سير التمركزات العسكرية أو الخطط، وتلزم وسائل الإعلام بالبيانات الرسمية في ما يتعلق بالنتائج الخاصة بتلك العمليات، وتحظر الاستعانة بالأشخاص غير المؤهلين للحديث بشأن العمليات، وإبداء آراء أو تقديم معلومات من جانب الضيوف والإعلاميين تؤدي إلى النيل من تماسك الشعب المصري أو التأثير على روحه المعنوية.

الإعلان عن مدونة للمعايير قبل أن تتم معالجة الأسباب الرئيسية في عدم ضبط الخطاب الإعلامي يؤدي إلى مشكلات

وتواجه المواثيق انتقادات من خبراء الإعلام لما تحتويه من ألفاظ فضفاضة وغير محددة. ولم تحدد المدونة ماهية الألفاظ المسيئة أو السوقية، في الوقت الذي تحدد فيه هيئات الاتصالات عادة قائمة محددة من الجمل والألفاظ التي يمنع استخدامها في وسائل الإعلام، كالسبع كلمات البذيئة التي تمنع هيئة الاتصالات الفيدرالية تداولها عبر وسائل البث المرئي والمسموع الأميركي، من السادسة صباحا وحتى العاشرة مساء بالتوقيت المحلي.

ويرى خبراء أن الإعلان عن مدونة للمعايير قبل أن تتم معالجة الأسباب الرئيسية التي تسببت في عدم ضبط الخطاب الإعلامي يؤدي إلى مشكلات أكبر أثناء التنفيذ، في ظل إستراتيجية المجلس والمرتبطة بالتوسع في توجيه العقوبات على المخالفين للسيطرة على الوضع القائم.

وهو ما يعني أن مشكلات التكوين المهني والثقافي للعديد من الإعلاميين وسيطرة سوق الإعلانات على المحتويات التي تقدمها غالبية المنصات، تظل قائمة من دون أن تكون هناك حلول بشأنها، والتضييق على حريات الحصول على المعلومات وعدم إتاحتها بشكل يضمن سلامة ومصداقية المحتوى المقدم وسوف تستمر بعد تطبيق القانون.

 وأكد حسن علي رئيس جمعية حماية المشاهدين، أن نجاح أي هيئة منظمة للإعلام في ضبط المعايير التي تضعها يرتبط بتحقيق هدفين. الأول له علاقة بمستوى مهنية وثقافة العاملين في المهنة وهي تساعد كثيرا في ترجمة النصوص إلى أفعال على الشاشات والصحف والإذاعات. والأمر الثاني يرتبط بالمجال السياسي العام، لأن وجود احتقان سياسي يصعب التزام الإعلاميين بما يتم إقراره.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن سيطرة شركات الإعلان الكبرى على المحتويات المقدمة والبحث الدائم من قبل وسائل الإعلام عن المحتويات التي تجذب المعلن إليها في ظل معاناة جميعها من خسائر مادية ضخمة، يؤديان إلى التوسع في تطبيق غرامات على القنوات المخالفة ما يؤثر بشكل سلبي على جودة الإعلام المقدم.

18