"معا لنبقى".. دروس مجانية لتقليص نسب الطلاق في مصر

مع زيادة وتيرة الزواج دون استعدادات نفسية ومالية كافية، ارتفعت نسب الطلاق بين الشباب، وتحولت إلى ظاهرة ملحوظة في المجتمع المصري تحتاج إلى حلول سريعة. ويسعى المجلس القومي للمرأة إلى مواجهة المشكلة بإطلاق برامج توعوية للمتزوجين لمساعدتهم في تخطي عقبات الزواج المبكر والاندماج بشكل أفضل، وبالتالي تقليل الطلاق.
الأربعاء 2018/01/24
سعي لمساعدة الأزواج على المزيد من الاندماج

أطلق المجلس القومي للمرأة في مصر (جهة حكومية) برنامجا توعويا للمقبلين على الزواج والمتزوجين حديثا، تحت عنوان “معا لنبقى” بغرض التدريب الجاد على التعامل الراقي والتصرفات اللائقة بين شريكي الحياة، في محاولة لخفض نسب وحالات الطلاق المرتفعة في مصر، والتي أصبحت مقلقة للحكومة، لأن أضرارها فادحة على المجتمع.

وقالت نجلاء أحمد، تعمل مهندسة، إنها تعاني من مشكلات كبيرة منذ الأسبوع الأول لزواجها، فقد اكتشفت شخصا آخر غير الذي كانت تعرفه أثناء الخطوبة؛ تصرفات عنيفة وطباع جافة، وفكرت في الانفصال.

وأوضحت لـ”العرب”، أنها ذهبت بعد مرور شهرين إلى مركز طبي للعلاج النفسي، فهي من الصعوبة أن تستمر، ومن المستحيل أن تنفصل دون مرور مدة طويلة على زواجها، خوفا من نظرات المجتمع.

حالة نجلاء تلخص حجم المأساة التي يعيشها كثيرون غيرها من النساء والرجال والتي تزايدت الشكاوى منها، وجعلت المجلس القومي للمرأة يفكر في برنامجه الجديد.

يتضمن البرنامج ثلاث دورات تدريبية مكثفة للزوجين لتقليص الطلاق في أوساط الشباب، خاصة في السنة الأولى، وهي الفئة التي وصلت فيها حالات الطلاق إلى حوالي 11 ألفا و500 حالة، وفق آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بزيادة بلغت نحو ألفي حالة عن العام الماضي.

أسباب ارتفاع نسب الطلاق ترجع إلى اختلاف الثقافة بين الزوجين، وعدم القدرة على مواجهة المشكلات وتدخلات الأسر

قالت مايا مرسي رئيسة المجلس القومي للمرأة لـ”العرب”، “إن الدورة الأولى للبرنامج تعقد بعنوان ‘أنا وأنا.. إزاي (كيف) أفهم نفسي’، وتهدف إلى فهم الذات وإعادة التواصل مع النفس والتصالح معها للوصول إلى التعايش الأمثل مع الآخرين، والتفكير بطريقة أكثر إيجابية لحل المشكلات، بعيدا عن المشاعر المحبطة والطاقة السلبية، مثل الغضب، والأفكار الخاطئة، والسلوك العدواني، وفق قيم مثلى لكل شخصية على حدة، وتتم خلالها مناقشة كيفية الوصول إلى التوازن والسلام الداخليين”.

وأضافت أن الدورة الثانية تأتي بعنوان “هو وهي”، وترمي إلى فهم متطلبات شريك الحياة والسعي لإسعاده، بعيدا عن الندية والعلاقة المتوترة بين الزوجين، في ظل تشبث كل طرف برأيه مفتقرا للمرونة اللازمة التي يتطلبها بناء العلاقات السوية لتوضيح المفاهيم المهمة لتكوين أسرة ناجحة وفاعلة.

وشددت على ضرورة الفهم الجيد لطبيعة المرأة والرجل وكيف يتعامل كل منهما في المواقف المختلفة وحسب تكوينه النفسي وبيئته المحيطة ودرجة ثقافته وخلفيته المجتمعية، وكيفية تحقيق التواصل الجيد واتخاذ القرارات السليمة والاستفادة من الموارد المالية المتاحة وأساليب التعامل الإيجابية مع احتياجات الحياة الزوجية.

أما الدورة الثالثة فتحمل عنوان “هي وهو وهما (الأطفال ـ العائلة)”، وتهدف إلى بناء علاقة متوازنة بين كافة أطراف الأسرة، وإرساء أسس التربية الصحيحة للأبناء في إطار علاقة احترام متبادلة، وتوضيح المفاهيم الاجتماعية المغلوطة.

تناقش هذه الدورة كيفية التعامل مع الأولاد، وتأثيرهم على علاقة أفراد الأسرة، وكيفية تعامل الزوجة مع أهل زوجها، ونفس الأمر بالنسبة للزوج في كيفية تعامله المرن والودود مع أهل زوجته، بعيدا عن الصورة النمطية للحماة وأهل الزوج، علاوة على كيفية تربية الأبناء على أساس صحي وسليم، بطرح لمحة سريعة عن مفهوم الصحة النفسية والجسدية.

ووصفت مرسي الأسباب الدافعة إلى مثل هذه الدورات بأنها تدعم حديثي الزواج والأسر الوليدة حفاظا على كيانها من التفكك، لأن “مؤسسة الزواج أصبحت مهددة بسبب ارتفاع معدلات الطلاق”.

وأطلق المجلس القومي للمرأة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك البرنامج التوعوي، بعد أن تلقى طلبات توصي بتكرار البرنامج مرة ثانية في القاهرة بعد نجاحه في المرة الأولى، فقد سبق وقام المجلس من قبل بدورات مماثلة حققت إقبالا كبيرا منذ حوالي عامين.

وأعلن المجلس عن شروط التقديم للبرنامج، وهي: ألا يكون مر على الزواج أكثر من سبع سنوات، ويشترط المجلس حضور الطرفين إلى ورش العمل وعدم القبول بتخلف أحدهما عن الحضور، مع ضرورة الالتزام بتأدية الدورات التدريبية الثلاث.

نحو مليون حالة طلاق سنويا تنظر أمام محاكم الأسرة بمصر، وتقع 240 حالة طلاق يوميا بمعدل عشر حالات طلاق كل ساعة

تحكي مروة محمود، متزوجة حديثا، عن تجربتها مع برنامج التوعية لبناء أسري قويم، قائلة “تزوجت فور إتمام دراستي، لكني فؤجئت بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقي بعد الزواج وصعوبة التعايش مع الطرف الآخر، ما عرض حياتي الزوجية للكثير من العواصف التي ألقت بي في مستنقع من الخلافات المتكررة ولأسباب بسيطة”.

وأضافت محمود لـ”العرب” أنها علمت بهذه الدورات عن طريق صديقة لها استفادت من دورات المجلس في إعادة النظر في زوايا جديدة في حياتها الزوجية وفهم العلاقات مع المحيطين بها، وقررت اللجوء إلى تلك الدورات التي ساهمت في إعادة دفء العلاقة مع زوجها وقربت بين وجهات النظر الخلافية لتفتح آفاقا جديدة على كيفية اجتياز صعوبات الزواج والعلاقات الإنسانية.

وأظهرت دراسة حديثة قام بها قسم علم النفس والاجتماع بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، أن 45 بالمئة من حالات الطلاق تقع في السنة الأولى للزواج، وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة حدوث طلاق بين المتزوجين تصل إلى 35 بالمئة في أول خمس سنوات.

وحسب تقرير حديث لمركز معلومات مجلس الوزراء بمصر، فإن نحو مليون حالة طلاق سنويا تنظر أمام محاكم الأسرة، وتقع 240 حالة طلاق يوميا بمعدل عشر حالات طلاق كل ساعة، فيما بلغ إجمالي عدد حالات الخلع والطلاق معا ربع مليون حالة في العام.

وأضاف التقرير أن مصر احتلت المرتبة الأولى عالميا، بعد أن ارتفعت نسب الطلاق من 7 بالمئة إلى 40 بالمئة خلال الخمسين عاما الأخيرة، ووصل عدد المطلقات إلى ثلاثة ملايين مطلقة.

ويرى خبراء في علم الاجتماع أن أبرز أسباب الانفصال، كما رصدتها محاكم الأسرة من واقع أقوال الأزواج والزوجات، ترجع إلى الاختلافات الدينية والسياسية والأيديولوجية بين الزوجين، وعدم الانجاب، وتنصل الزوج من واجبه في الإنفاق على الأسرة، وعدم التوافق في العلاقات الجنسية، والاعتداءات الجسدية بالضرب والمعاشرة القسرية أو الخيانة الزوجية.

وأكدت شيرين شوقي أستاذة الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس لـ”العرب” أن أسباب ارتفاع نسب الطلاق ترجع إلى عدة عوامل أهمها اختلاف الثقافة بين الزوجين، وعدم نضج الشباب وعدم القدرة على مواجهة المشكلات وتدخلات الأسر.

وترى أن مع تسهيل قوانين الخلع وزيادة مكتسبات المرأة بما يشجعها على الاستقلالية وعدم الحاجة إلى الرجل، أصبحت فكرة الطلاق مطروحة بشكل أكبر وأوسع لأن المجتمع بدأ يغير من نظرته إلى المطلقة ولم يعد الأمر يمثل فضيحة لها ولأسرتها، كما كان في السابق.

21