معبد دندرة وجهة مفضلة للسياح في مصر

يعد معبد دندرة الواقع في الجنوب المصري الوجهة السياحية المفضلة للكثير من السياح من مختلف الجنسيات يوميا، كما تمثل زيارته فرصة أمام محبي التاريخ والاكتشافات الأثرية والعلمية لمعرفة المزيد من الأسرار حول الفراعنة.
الأحد 2017/07/09
أسرار الماضي لا تقاوم

دندرة (جنوب مصر) - يشد الزائر منذ اللحظات الأولى لدخوله إلى رحابات معبد دندرة، الواقع على الجانب الغربي من نهر النيل قبالة مدينة قنا بصعيد مصر، سحر المكان ويأخذه عبق التاريخ وتدهشه تلك العلوم والفنون التي يحتفظ بأسرارها ذلك المعبد الذي بدأت أعمال تشييده في نهاية عصر البطالمة وانتهت في العهد الروماني، وكرّس لعبادة الربة حتحور ربة السماء والرقص والموسيقى وسيدة السعادة.

ويصف الأثريون معبد دندرة بالمعبد العظيم، فهو من أكثر المعابد المصرية حفظا، إذ لا تزال نقوش أسقفه وحوائطه وأعمدته باقية بألوانها، وهو المعبد ذو الطابقين المفتوحين للزيارة أمام السياح حتى اليوم.

يقول علماء المصريات إن معبد دندرة بُني في عزلة لطيفة قرب الصحراء على بعد 60 كيلومترا شمال مدينة الأقصر الغنية بمقابر ومعابد ملوك وملكات ونبلاء الفراعنة، وكانت دندرة عاصمة للإقليم السادس في مصر العليا، وتقول أسطورة متأخرة إن رسم المعبد أوحت به مستندات بالغة القدم يرجع تاريخها إلى عصر الملك خوفو والملك بيبي الأول وأزمنة أتباع حورس البعيدة، ويدلنا على ذلك تلك الجبانة التي وجدت بالقرب من سور المعبد والتي تؤكد قدم مدينة دندرة وتؤرخ لطقوس عبادتها.

وما أن يدخل الزائر إلى قلب المعبد حتى يجد الصالة ذات الـ24 عمودا المقامة ببهو الأعمدة المسقوف العظيم الذي يحتفظ بنقوش وألوان سقفه وجدرانه وأعمدته حتى اليوم، وهي الصالة المنحوتة لتمثل المصلصلة برموز الربة حتحور، وتمثل هدية موسيقية لها غرف سرية، فكثيرة هي غرائب معبد دندرة لكن أبرزها 32 غرفة ضيقة يصعب الوصول إليها لأنها بنيت بداخل حوائط المعبد، وتسمى بالغرف السرية وهى حجرات مزخرفة وبنيت على ثلاثة مستويات، ويمكن الوصول للغرف الوسطى بواسطة أبواب مسحورة، وربما كانت تلك الغرف حافظة لكل شيء ثمين بداخل المعبد وبخاصة أدوات الطقوس الدينية. وهناك رواية أخرى تقول إن تلك الغرف أعدت لاستقبال بعض القوى التي تساعد الإله في يوم ما على أن يولد من جديد. أما الطابق الثاني من المعبد فيضم بين منشآته محرابا مكشوفا كانوا يقيمون به احتفال الاتحاد بقرص الشمس والذي كان يقام بالمعبد في ليلة رأس السنة.

معبد دندرة يستقبل المئات من السياح من مختلف الجنسيات في كل يوم رغم حرارة الجو في فصل الصيف

في الطابق الثاني من معبد دندرة يوجد محراب رسمت بسقفه أول خارطة للسماء والنجوم والأبراج، لكن لا يوجد من تلك الخارطة سوى نسخة مصبوبة -مقلدة- لأن الخارطة الأصلية، نقلت قبيل قرون إلى فرنسا حيث تعرض الآن بمتحف اللوفر في باريس، والخارطة السماوية التي وجدت بمعبد دندرة تؤكد على علاقة قدماء المصريين بعلم الفلك وتمكّنهم من امتلاك كثير من أدواته.

وربما تدلنا تلك الظواهر الفلكية التي تشهدها كثير من المعابد المصرية القديمة ومن بينها معبد دندرة من تعامد للشمس والقمر على براعة المصريين القدماء في علوم الفلك والهندسة.

يلفت نظر الزائر لمعبد دندرة تلك القطع الأثرية من تماثيل وتوابيت ولوحات منقوشة، وقد وضعت على منصات على يسار بوابة الدخول، وهي قطع أثرية اكتشفت حديثا بالمعبد ويجرى جمعها وترميمها والبحث عن الأجزاء المفقودة منها وإعادة تجميعها مجددا لتعرض في مكانها الأصلي إن كان لها موقع بالمعبد أو تعرض بصالة عرض متحفي، ومعظم تلك القطع التي عثر عليها هي قطع كاملة النقوش والرسوم.

وتتواصل أعمال البحث والتنقيب والترميم بمعبد دندرة سعيا لاكتشاف المزيد من أسراره التي ما يزال بعضها غامضا حتى اليوم.

ومن المعروف أن معبد دندرة قد شيد لعبادة الربة حتحور رفيقة حورس وربة السماء والحب والفرح والموسيقى والرقص والسرور والخصوبة والولادة والنشوة من الخمر أيضا. وقد عبد قدماء المصريين، عديد الآلهة، وصورت تلك القوى الإلهية في صور بشرية وحيوانية، مثل حتحور التي تارة ما تظهر برأس بقرة أو وجه إنسان. وكما تحكي نقوش معبد دندرة فإن تعدد الآلهة لم يكن نوعا من الشرك بل كان لكلّ إقليم إله محليّ يعبده، لكن هناك آلهة صارت تعبد في كل مصر مثل آمون وحتحور التي تنتشر معابدها وتتعدد تسمياتها أيضا.

وهي سيدة الجبلين في القوصية وأطفيح، وهي إيماو في النوبة، وهي حتحور الجميزة في منف، ووجدت حتحور بجميع الأماكن التي نسبها الإغريق إلى أفروديت في شمال مصر وجنوبها.

وكانت حتحور حاكمة السماء وجسمها الحقيقي والروح الحية للأشجار وربة في صورة بقرة، ومربية ملك مصر وربة الذهب، وكانت شخصية متعددة الألوان وخليطا من عدة شخصيات إلهية، وجعلها قدماء المصريين ربة للأماكن البعيدة مثل بلاد بونت ومناجم سيناء، وفي البرّ الغربي للأقصر كانت تسمى حتحور وتتعامد الشمس على تمثال لها في قدس أقداس معبد الدير البحري الذي شيدته الملكة حتشبسوت في حضن جبل القرنة التاريخي الذي يحوى بين جنباته المئات من امقابر لملوك وملكات وأميرات ونبلاء الفراعنة، وفي منف كانت حتحور حارسة للموتى.

وفي معبد دندرة العظيم تظهر في صورها الكلاسيكية الحقيقية كربة عامة وكامرأة شابة مرحة وباسمة وكربة للسعادة والرقص والموسيقى. أما مدينة قنا التي أقيم ببرها الغربي معبد دندرة فهي محافظة ضاربة في التاريخ، وتضم مدنا تاريخية عدة بينها وقوص وفرشوط ونجع حمادي ونقادة، وجميعها مدن تحتوى على معالم أثرية تؤرخ لمكانة قنا في التاريخ الفرعوني ومختلف العصور التي تلت الحقبة الفرعونية، وتسعى وزارة الآثار المصرية بحسب مصادر في منطقة آثار مصر العليا لتحقيق مزيد من الحماية والترميم لمزارات قنا الأثرية، ووضع معبد دندرة على خارطة البرامج السياحية المصرية لتحقيق مزيد من الجذب السياحي لمعالمه النادرة، وبالرغم من حرارة الجو في فصل الصيف وحالة التراجع السياحي إلا أن معبد دندرة يستقبل المئات من السياح من مختلف الجنسيات في كل يوم.

17