معبر اليعربية.. من قبضة داعش إلى سيطرة القوات الكردية

الجمعة 2013/11/08
ريدور خليل: وحدات حماية الشعب هي النواة الحقيقية للجيش السوري في المستقبل

أعادت سيطرة المقاتلين من قوات الحماية الكردية على معبر اليعربية الحدودي مع العراق، بعد معارك مع مقاتلين مرتبطين بـ"داعش" وجبهة النصرة، الاهتمام بتقدم أكراد سوريا مؤخرا في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحكومة السورية شمال البلاد كخطوة نحو إنشاء إقليم منفصل.

نبدأ من الأحداث الأخيرة، التي لن تكون النهاية بالطبع، السيطرة على معبر اليعربية/تل كوجر في محافظة الحسكة على الحدود السورية العراقية، من قِبل القوات الكردية المعروفة بوحدات حماية الشعب (YPG). بعد معارك شرسة بين هذه القوات ومجموعات إسلامية مقاتلة على رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة، بالإضافة إلى بعض الفصائل والكتائب المسلحة التابعة للجيش السوري الحر في المنطقة.

«الانتصار» الذي يراه ريدور خليل القيادي البارز في (YPG) والناطق الرسمي باسم هذه الوحدات هو «خطوة باتجاه إضفاء الصفة الوطنية السورية على قواتنا». وللحديث أكثر في تفاصيل هذه المعركة وسواها، وتسليط الضوء على هذه القوات التي تخوض واحدة من أشرس المعارك في سوريا.. كان لنا هذا اللقاء مع ريدور خليل الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب (YPG).


وحدات حماية الشعب


تم تأسيس هذه القوة العسكرية، حسب ريدور خليل، بعد (الانتفاضة الكردية في آذار 2004) والقمع الوحشي الذي مارسه النظام البعثي بحق أبناء الشعب الكردي من قتل واعتقال وتعذيب وتشريد، حيث بدأ الشباب الكردي في المدن والبلدات الثائرة بتشكيل مجموعات مسلحة صغيرة وسرية للغاية بهدف الانتقام من رموز النظام وأعوانه في المنطقة، وبالفعل قامت هذه المجموعات بتنفيذ عمليات اغتيال نوعية لضباط أمنيين في كلّ من حلب والرقة والحسكة، على اعتبار أن الملف الكردي كان ملفا أمنيا بامتياز. إذا، يمكن اعتبار المرحلة اللاحقة لتلك الانتفاضة النواة الأولى لتشكيل وحدات حماية الشعب بشكلها الحالي.

أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة الحشد الشعبي وإعادة بلورة وتنظيم الشباب الكردي داخل وخارج هذه المجموعات للخروج بتشكيل عسكري عقائدي منظم ومنضبط، فبدأت مع انطلاقة الثورة السورية. وبعد أن لمسنا الحاجة إلى بناء هكذا تشكيل مع ازدياد الدمار وافتقاد الأمان والاستقرار في بقية المناطق السورية، بدأت المرحلة الثالثة من دورة هذه القوات ألا وهي مرحلة الإعلان الرسمي عنها بتاريخ 19 تموز 2012. فقامت قواتنا على الفور بإخراج قوات النظام من أغلب مناطق نفوذها من عفرين في ريف حلب وصولا إلى ديريك/المالكية أقصى شمال شرق محافظة الحسكة.

يقدّر خليل عدد المقاتلين في صفوف هذه القوات الآن بحوالي 45 ألف مقاتل ومقاتلة.. تقدّموا بطلب للانضمام إلى الوحدات المنتشرة على الأرض.

ويتم قبول المقاتلين وفق شروط محدّدة، وفق ما يوضحه ريدور خليل، من هذه الشروط إكمال السن القانونية (18سنة)، ويخضع الفرد لدورات سياسية وعسكرية في الأكاديميات المختصَّة قبل أن ينتقل إلى جبهات القتال.

ويقول القيادي الكردي: «جميع أعضاء وحداتنا هم أناس طوعيون حملوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين دون مقابل مادي».


تمويل الحرب


في ظل الحديث المتكرر عن حصار مفروض على مناطق نفوذ القوات الكردية، من أين تموّلون تكاليف الحرب الباهظة التي تخوضونها؟، يجيب ريدور خليل عن هذا التساؤل قائلا: «ليس ادّعاء ما نقول، فثمَّة حصار متعمّد مفروض على (روج آفا) المناطق ذات الغالبية الكردية شمال شرق سوريا- من قبل المجاميع المسلحة التي تسيطر على أغلب الطرق الواصلة بين مناطقنا والداخل والساحل السوريين. أما بالنسبة إلى سؤالك عن التمويل، فنحن لا نخفي عن أحد أن اعتمادنا ليس فقط على أكراد سوريا.

ما يقارب الأربعين مليون كردي في سوريا وتركيا وإيران والعراق وأوروبا ينظِّمون حملات دعم مكثفة ومتواصلة على مدار العام، تجمع هذه الحملات مبالغ تصل إلى ملايين الدولارات لدعم أكراد سوريا

فهناك ما يقارب الأربعين مليون كردي في أجزاء كردستان الأربعة (سوريا، تركيا، إيران، العراق) وأوروبا، ينظِّمون حملات دعم مكثَّفة ومتواصلة على مدار العام، تجمع هذه الحملات مبالغ تصل إلى ملايين الدولارات. ونحن بدورنا نقوم بشراء السلاح والعتاد من السوق السوداء. وفي الحقيقة، العملية الآن أسهل بعد أن أصبح الشرق الأوسط سوقا واسعة ومفتوحة للسلاح والعتاد العسكري بكافة أشكاله وأنواعه.


خلاف مع المعارضة


برز على الساحة خلاف بين القوات الكردية والمعارضة السورية المسلحة، كما أن القوات الكردية المقاتلة لم تنضمّ إلى صفوف الجيش الحر ككتائب كردية، هذه النقطة يوضّحها القيادي الكردي مشيرا إلى أن «الأكراد لا يعترضون على الجيش الحر كفكرة، إلا أن حربنا نخوضها دفاعا عن الحقوق المشروعة للشعب الكردي ووجوده وإرادته الحرة ضد القوى الظلامية على مختلف الأصعدة والانتماءات سواء النظام أو المعارضة. ناهيك عن ممارستنا لحقنا المشروع في التصدي لمحاولات هذه القوى لبث الرعب والفوضى في جسم المجتمع في (غربي كردستان) بكافة مكوناته.

أعتقد أن خلافنا مع المعارضة، بشقيّها السياسي والمسلّح، ناجم عن إمعان هذه التنظيمات في نكران الوجود الكردي وحقه في العيش الحر الكريم.

أما بالنسبة إلى الجيش الحر، فقد عرضنا عليه منذ البدايات استعدادنا للتعاون والتنسيق معه في المعارك مع قوات النظام وخاصة في حلب. وبالفعل نجحنا في التنسيق والتخطيط للاشتراك في ضرب عدة مواقع مهمة للنظام في المدينة.

إلا أن غياب التنظيم والانضباط والخضوع لقيادة عسكرية واحدة وتشرذم الكتائب وخضوع كل قسم منها لأجندات الأطراف المموِّلة لها. أفقدت الجيش الحر مصداقيته وأهميته الأخلاقية قبل العسكرية. وبالتالي لن نستطيع-نحن كتنظيم مسلح ومنضبط- الاندماج في هكذا جسم لا يراعي الخصوصية الكردية وليس بمقدوره فهم الاختلاف على أساس كونه ميّزة للشعوب ومدعاة فخر لها».


النظام البعثي والأكراد


تخوض القوات الكردية حروبا شرسة، عجز عنها النظام، ضد التنظيمات الجهادية وحققوا انتصارين متتالين أولهما السيطرة على مدينة رأس العين والمعبر الحدودي مع تركيا، والآخر السيطرة على مدينة اليعربية ومعبرها البري مع العراق قبل أيام، وعن الهدف التكتيكي لهذه المعارك، ومدى صحة اعتبارها حروبا بالوكالة عن النظام، يشير خليل موضحا: «إستراتيجيتنا وعقيدتنا في القتال تختلف عن تلك التي يعتمدها النظام، نحن نخوض المعارك دفاعا عن وجودنا وهويتنا وسلامة مناطقنا ضد هذه التيارات العدمية التي تدَّعي معارضتها للنظام، هذا أولا.

ثانيا: نحن لا نخوض حروبا بالوكالة عن أحد، فبعد أن تمكنت المعارضة المسلحة من السيطرة على مدينة رأس العين/سري كانيه بدأت يوما بعد يوم في تنفيذ رؤيتها الضيقة على مكونات المنطقة وصار وجودها يشكل تهديدا على التعايش المشترك بين هذه المكونات. فقمنا بطردهم من رأس العين استجابة لنداءات الأهالي لتخليصهم من هذه المجاميع المسلحة وممارساتها اللامسؤولة. أما بالنسبة إلى المعركة الأخيرة وتحرير مدينة ومعبر تل كوجر/اليعربية، فأعتقد بأن هذه العملية أكسبتنا المزيد من الشرعية الشعبية وأضفت على قوات YPG الصبغة الوطنية السورية وذلك بمشاركة أبناء العشائر العربية في القتال معنا وانفتاحهم على التعاون معنا لتحقيق السلام والأمان للجميع، بإبعاد خطر هذه الجماعات المتطرفة عن مناطقنا قدر المستطاع.

وأعتقد بأن المتابع لسير الأحداث سيدرك من منا يخوض الحروب بأجندات خارجية، فماذا يعني أن هذه المجموعات لم تستهدف بتفجيراتها المتكررة سوى مراكزنا وحوجزنا بينما مراكز النظام تنعم بالأمان والسلام!

مخاوف كبيرة من تنامي نفوذ الأكراد العسكري والسياسي

حول مستقبل وحدات الحماية الشعبية يقول خليل إن هذه الوحدات تمثِّل روح الثورة السورية في الحرية والكرامة بتبنيها حقيقة مبدأ حماية المدنيين. لذا فنحن نعتبر أنفسنا جزءا من هذه الثورة. وبالتالي يمكن أن تكون وحدات الحماية الشعبية النواة الحقيقية لجيش سوريا الوطني في المستقبل، بعد إسقاط النظام. ونحن جاهزون للانخراط في هذا الجيش على أرضية احترام الوجود والحقوق الكردية وكافة المكونات في سوريا المستقبل.


مجموعات مسلحة


هل تعتبرون أنفسكم الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD؟ ولماذا تمنعون الأكراد من تشكيل قوات عسكرية خارج إطار وحداتكم وتقومون بمداهمة مقراتهم واعتقال أفرادهم ومصادرة أسلحتهم؟ يجيب خليل عن هذا السؤال قائلا: «بطبيعة الحال لن نقبل بمثل هذه الخطوة،(تشكيل مجموعات مسلحة خارج إطار YPG)، فتجربة المعارضة السورية المسلحة والمتمثلة في كتائب الجيش الحر المتقاتلة فيما بينها، ماثلة أمامنا ولن نسمح بتكرارها كرديّا.

نحن لا نعتبر أنفسنا ذراعا عسكرية لأي تنظيم سياسي، صحيح أن أغلب قيادات قواتنا هم من المقالتين السابقين في قوات «الكَريلا» الكردية في كل من كردستان تركيا وإيران- وأنا واحد منهم- وأن الذهنية الفكرية والأرضية الأيديولوجية لهؤلاء القادة متقاربة مع الخط السياسي والأيديولوجي الذي يتبناه حزب PYD إلا أننا نعتبر الهيئة الكردية العليا (ائتلاف جميع القوى السياسية الكردية في سوريا بالإضافة إلى PYD) المرجعية السياسية الشرعية والوحيدة لنا».

ويضيف خليل: «ثمة مخاوف كبيرة من تنامي نفوذ الأكراد العسكري والسياسي. الأمر الذي يراه البعض من أبناء المكونات الأخرى على حساب تضاؤل قوتهم وحظوظهم في الظهور.. لكن، وكما قلتُ آنفا، تحرير تل كوجر أكسب معاركنا بعدا وطنيا سوريا بامتياز. فوقوع المدينة في محيط عربي لم يمنع قواتنا من التقدم بعزم وتحرير الأرض دون الالتفات إلى هوية المنطقة العربية، (على الرغم من الهوية التاريخية الكردية لهذه المدينة).

وبعد التحرير بأيام انضمت مجموعة مؤلفة من عشرات الشباب العرب في محيط مدينة رأس العين إلى صفوف وحداتنا تحت اسم (الوطنيين العرب) وقمنا بتقديم الدعم لها وتنظيمها وتدريبها. وهناك سابقا كتيبة من الأخوة السريان المسيحيين في منطقة تربه سبيه/القحطانية. تلقّتْ الدعم والتدريب في معسكراتنا وقاتلنا جنبا إلى جنب في عدة معارك.


معركة اليعربية


«أما بخصوص معركة سيطرتنا على اليعربية، التي أُثيرَ حولها الكثير من اللَّغط، في ظلِّ الاتهامات بالتعاون مع قوات عراقية وغطاء جوي من طيران النظام السوري، فأتحدَّاهم جميعا أن يقدِّموا دليا ملموسا وإثباتا حقيقيا فيما يقولون. اليعربية كانت مركزا لضخِّ الإرهابيين وتوجيههم نحو مناطقنا، بالإضافة إلى كونها مركزا لإمارتهم الظلامية المنشودة.

من خلال عمليات التمشيط التي نقوم بها داخل المدينة بعد تحريرها، وجدنا عشرات السيارات المفخخة في انتظار أوامر التنفيذ مع سيناريوهات لسير العملية. كان أحدها سيارة إطفاء كبيرة مجهَّزة للتفجير داخل حقول رميلان النفطية.. بالإضافة إلى ذلك ثمة وثائق عثرنا عليها في مقرات الإرهابيين، هي قيد التحقيق حاليا، ستفاجئ جميع العالم حول المخططات القذرة التي تحاك للنيل من استقرار المنطقة».


(بالتعاون مع مؤسسة أنا ANA للإعلام الجديد)

7