معتصمون سوريون: نحن لاجئون هربا من نظام قاتل ولسنا منكوبي زلزال

الثلاثاء 2014/11/25
معتصمون رجالا وأطفالا ونساء يفترشون الرصيف ويلتحفون العراء بشارع البرلمان

أثينا – يعتصم نحو أربع مئة لاجئ سوري أمام البرلمان اليوناني في أثينا للمطالبة بظروف أفضل لاستقبالهم في اليونان حيث ارتفع عدد اللاجئين ثلاثة أضعاف بين مطلع 2013 ومطلع 2014. وأمام تعقّد الوضع، بدأ المعتصمون قبالة البرلمان اليوناني في ساحة سينتاغما، أمس، إضرابا عن الطعام حتى تتحقّق مطالبهم.

أيام باردة يقضيها لاجئون سوريون اعتصموا منذ أسبوع مقابل البرلمان، في العاصمة اليونانية، وقد رفعوا لافتات تعبر عن مطالبهم من الحكومة اليونانية، وعلى رأسها الاعتراف بهم كلاجئين.

يبلغ عدد الذين لبوا الدعوة إلى الاعتصام 400 سوري، من بينهم أطفال، احتشدوا أمام البرلمان، ليعبروا عن مطالب الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين الذين يبلغ عددهم 3 ملايين لاجئ، حسب الإحصاءات الرسمية.


زيارة الاعتصام


في ليلة باردة زارت “العرب” منطقة الاعتصام والتقت بعدد من المشاركين في الاعتصام الذين أحجموا عموما عن إعطاء التصريحات بأسمائهم، لكن بعضهم تحدّث معنا معلنا أن الشباب السوري أقدم على هذه الخطوة أمام البرلمان، الذي يعتبر صاحب أقدم الديمقراطيات في التاريخ ليظهر معاناته الإنسانية ويعلن مطالبه البسيطة والمشروعة حقوقيا في دستور الأمم المتحدة.

ومنظّموا الاعتصام خمسة شبان، منهم الشباب السوري الذي لجأ إلى اليونان، أما صاحب الفكرة، الذي بدا الأكثر نشاطا، وهو يتحرك بين المعتصمين حاملا مصدحا فقد أخذ يدعو المعتصمين إلى البقاء في الشارع على الرصيف، وألا يغادروا المكان، وأن يثقوا به.

اليونان بمفردها لا يمكن لها أن تحل مشكلة اللاجئين، فهي أضخم من إمكانياتها

سألناه حول صدى هذه الخطوة وإن كانوا قد توصلوا، بعد أسبوع من الاعتصام، إلى انتزاع وعد من السلطات اليونانية بتحقيق أي من مطالبهم، فأجاب نافيا حدوث أي اتفاق بين المعتصمين والحكومة اليوناينية، لكنّه أكّد قائلا لـ”العرب”: “لا، لكننا سنصر على البقاء هنا ولن نفك الاعتصام إلاّ بعد نيل حقوقنا كلاجئين”. استفسرناه عن الحقوق التي يطالبون بها، فأجابني قائلا: “إقرأ اللافتات، هي تقول لك. نريد حقوق اللاجئ الإنسانية، ونريد أن تسمح لنا اليونان بمغادرة البلاد متجهين نحو بلدان أخرى في غرب أوروبا وشمالها”.


مقاطعة الإعلام


عند محاولتنا أخذ تصريحات من المشاركين الآخرين في الاعتصام، لمعرفة ما يفكرون فيه والوجهة التي يرغبون في التوجه إليها إذا ما سمحت لهم السلطات اليونانية بالمغادرة، لم يسمح لنا من يتزعم الاعتصام بالحديث إليهم، ثم أخذ يردد بواسطة المصدح موجها حديثه إلى المعتصمين: “ياشباب أرجو ألا يجيب أي منكم على أسئلة الصحافة ولا يتجاوب مع التلفزة”.

وبسؤاله عن أسباب حض المعتصمين على رفض الحديث إلى الصحافة، التي يمكن أن تحمل أصواتهم إلى أصحاب القرار في البلاد وإلى المعنيين بقضايا اللجوء، قال إن اعتصامهم إنساني وليس سياسيا، وأضاف مؤكّدا: “نحن لا نحمل مطالب سياسية، وقد اكتشفنا أن الصحافة تجد في أوضاعنا مادة لها، ونحن مطالبنا إنسانية بحتة”. واستطرد قائلا: “كل الصحفيين الذين زاروا هذا الاعتصام، لم يتمكّنوا من مساعدتنا على تغيير أوضاعنا المأساوية وتخفيف المعاناة الصعبة التي يعيشها بعضنا منذ شهور وبعضنا الآخر منذ سنوات”.

السلطات اليونانية، بدورها، عبّرت عن موقفها المبدئي على لسان نائب عن بلدية أثينا، وهو باتريس كوستانتينوس، الذي قال لـ”العرب”، لدى سؤاله عن موقف حكومة بلاده من الاعتصام ومطالبه: “على المعتصمين أن يحددوا مطالبهم بشكل واضح وصريح، وعليهم، أيضا، أن يفكروا جيدا أين يقفون، وما الذي يمكن أن يحصلوا عليه، في ظل الوضع الدولي الراهن الذي تشهده المنطقة برمتها، فضلا عن طبيعة التعقيدات التي باتت تحيط بقضية اللجوء، في ظل تضخم عدد اللاجئين”.

3 ملايين لاجئ سوري مشردين


رابطة المغتربين السوريين


ولدى سؤال المعتصمين عما إذا كان قد حصل تواصل إيجابي بينهم وبين “رابطة المغتربين السورين في اليونان”، وما إذا كانت قد قدمت لهم أي نوع من المساعدة، وجّه بعضهم اللوم إلى الرابطة، فيما بدا الناطق باسمهم غير راض عن الكيفية التي تفاعلت بها مع الاعتصام. وقبل التوجه إلى مكان الاعتصام قبالة البرلمان، كان لنا لقاء في مقر الرابطة مع رئيسها منير البقاعي، الذي بين لـ “العرب”، وضع الرابطة وما تستطيع تقديمه من خدمات وأمور قانونية، وهي رابطة أهلية لا تتلقى دعما من أي جهة رسمية، وبالتالي فهي كيان فقير الموارد.

وأضاف البقاعي: “الرابطة وجدت نفسها عاجزة إزاء الأحوال بالغة السوء التي تميز أوضاع عموم اللاجيئين السوريين في اليونان، وهي أصلا نشأت لترعى، بمواردها البسيطة، شؤون المقيمين القدامى، ثم وجدت نفسها أمام هذه الكارثة الجديدة، ومع ذلك لم تلبث الرابطة أن انخرطت، بكل ما تستطيع، في الحراك الذي ينظّمه الشباب السوري العالق في اليونان، وجلهم لا يرغب، حقيقة، في البقاء في بلد يواجه أهله الأصليون أزمات عديدة ويعجز عن حلها، فكيف يمكنه حل مشكلة اللاجئين، وبالتالي فهم يطالبون بأن يسمح لهم بالسفر إلى بلدان أوروبية أخرى، وهذا أبرز مطالبهم”.


رأي طبيب مغترب


الطبيب أيمن صليبي، وهو سوري مقيم في اليونان، وعضو رابطة المغتربين، تحدث بإسهاب عن معاناة السوريين، قائلا “نحن، كسوريين قدامى في هذه البلاد نعرف الشاردة والواردة، ونعرف منذ الآن ما الذي يمكن أن يسفر عنه الاعتصام”.

وأضاف “نقدر المعاناة التي يعيشها المعتصمون رجالا وأطفالا ونساء الذين يفترشون الرصيف ويلتحفون العراء في شارع البرلمان، ونحن نشاركهم اعتصامهم، بشكل مستمر ولا نغادر المكان، عسى أن يسفر عن جواب إيجابي من الحكومة اليونانية، ولكن نريد من الجميع أن يعرف أن اليونان بمفردها لا يمكن أن تحل مشكلة اللاجئين، فهي أضخم من إمكانياتها.

باتريس كوستانتيونس نائب عن بلدية أثينا يتحدث لمندوب "العرب" في اليونان

اليونان بلد عضو في الاتحاد الأوروبي وقررات حكومته مرتبطة بالاتحاد”. وأضاف صليبي “البلد هنا يعرف إمكانياته وحدوده جيدا وما الذي يمكن أن يقدمه، إذ أقصى ما يمكن فعله هو غض البصر عمن يدخل وعمن يريد الخروج من اللاجئين السوريين، لكونه ببساطة عاجزا عن تحقيق كل المطالب، وخاصة أبرزها المتمثل في الحصول على الوثائق التي تمكن المعتصمين من العبور إلى بلدان أوروبية أخرى يتخذونها ملاذا، وهو مطلب نراه غير مقبول مطلقا”.

ويستطرد صليبي “أرى أن هذا من حقهم، لكن اليونان لا يستطيع تحقيق مطلب كهذا، أي إعطاء العالقين أوراق مغادرة رسمية، هذا في نظري من سابع المستحيلات”.

وختم الطبيب صليبي قائلا “علينا أن نعرف حدود قدراتنا في الضغط على السلطات اليونانية للوصول إلى حل عادل لقضية اللاجئين وللاعتصام ومطالبه”.


لسنا منكوبي زلزال


أصر المتكلمون باسم الاعتصام على كونهم تجمعا لغايات إنسانية، لذلك لم يتكلموا في أمور الثورة ليحافظوا على وحدة صفهم، ففيهم من هو مع الثورة، ومن لا يعادي النظام ومن لا يفهم في السياسة ومن يريد فقط العيش بكرامة كإنسان.

لكن هناك بين المعتصمين من يخالف هذه الفكرة، ويرى أن “السبب الرئيسي في مأساة اللجوء هو النظام الذي دمر البلاد وقتل من قتل وهجر من هجر، وبالتالي لا ينبغي أن يغيب جوهر المعاناة ويعتبر ما يحدث كما لو كان كارثة إنسانية تشبه تلك التي يحملها الطوفان أو الزلازل ولا يبقى على المجتمع الدولي سوى الانشغال بالمنكوبين لإرضاء فئة منكوبة على حساب الفكرة الجوهرية للحدث، فهذا-كما يرى هؤلاء- ضرب من الجهل وضياع للمعايير”.

وأضاف أحد المعتصمين قائلا: “علينا ألا نتوقف عن القول إننا بتنا لاجئين هنا في هذا الشتات عقابا لنا على خروجنا التاريخي إلى شوارع سوريا في ربيع 2011، بهدف إسقاط نظام عسكري دموي واستبداله بنظام ديمقراطي مدني. نحن لسنا ضحايا زلزال حتى نتحول إلى عنوان بائس لأزمة إنسانية تستدعي الشفقة”.

وأكّد المتحدّث: “لا نريد عن قصد أو دونه، أن نعفي النظام من جريمته الكبرى بحق سوريا وأهلها، من دون أن يعني أننا نتنازل عن حقوقنا كلاجئين، في اليونان أو في غيرها من بلدان اللجوء الشرعي وغير الشرعي”.

7